محمية الدندر القومية..أرى تحت الرماد وميض نارٍ

  • بتاريخ : 19 يونيو، 2026 - 7:39 ص
  • الزيارات : 11
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    لم نكُنْ سَحرة ولا كهنة يومًا، ولانقرأ “الفنجان”، ولكننا نقرأ التأريخ، ونقرأ الأحداث ونستوعب إتجاهاتها ويستوقفنا ما بين سطورها ونستدعي كل ذلك ونحلل المعلومات والمعطيات، ولافخر…
    وعندما تنبأنا في مقالات سابقة موجودة الآن بالإرشيف، ب”فرعنة” حميدتي قبل أن يستفحل أمره ، ذلك  الطاغية الذي صنعه البشير لحماية ملكه العضود، ثم استقوى به البرهان، وتركه يتغذى من الغفلة والاسترخاء الأمني حتى انتفخت أوداجه، ومن قصص التأريخ ضربنا لكم الأمثال ، واستدعينا شخصية عثمان بن ارطغرل بن سليمان شاه مؤسس الدولة العثمانية الذي استخدمه السلطان السلجوقي علاء الدين لحماية حدود الدولة الطرفية ومحاربة تمرد قبائل التركمان وسلحه وقربه – كما فعل البشير مع حميدتي تمامًا- حتى كبر عثمان الأسمر وقويت شوكته فانقلب على الدولة السلجوقية وفعل فيها كما فعل حميدتي في البشير والسودان كله ، عندما تنبأنا بكل هذا ، وبخراب السودان، لم نكن إلا قارئين للتأريخ فقط، ولم نكن إلا مراقبين نستدعي الأحداث ونحلل معطياتها ..
    (2)
    الآن وبعيون زرقاء اليمامة، وقراءة معطيات مسرح الأحداث ، واستدعاء كل الهواجس المسنودة بقرائن الأحوال، أرى تحت الرماد وميض نارٍ، داخل محمية الدندر الإتحادية، ويوشك أن يكون لها ضرام وألسنةُ لهبٍ ستحرق المحمية أولًا، وستذروها قاعًا صفصفًا إن استمرت هذه الغفلة الأمنية و”الدهنسة “، ثم ما يوشك أن تتحول المحمية إلى بؤرة نزاع قبلي حين ينفجر الصراع الجهوي المكتوم الذي “يحمحم” الآن حول أرض المحمية التي كم سال لها لعاب الذئاب والقطط السمان وأرباب النفوذ المالي ومراكز القوة، ومن قبلهم أثيوبيا التي لم يغمض لها جفن تلقاء محمية الدندر القومية، وفوق كل ذلك هل نتجاهل خطر “الجنجويد” على المحمية؟!.
    (3)
    إن لم تفتح الحكومة عيْنيّها واسعتين ، فإن مؤشرات صراع النفوذ حول أراضي المحمية تمضي نحو تطور مخيف يجب أن يعمل له العقلاء والحكماء ألف حساب، وهو تطور يتخذ شكل الصراع القبلي والحواكير، وما يغذي هذا الإتجاه ويحفزه للتمدد هو ارتخاء قبضة الدولة وتناقص سلطانها وهيبتها ، ودعم اختراق حصون المحمية من داخل مجلس السيادة ..
    اتجاهات الصراع حول أراضي المحمية ايضًا ، تتراءى لي وكأنها تمضي نحو تفكيك المحمية وإلغائها بالمرة وتقاسم أرضها الخصبة حواكير بين مكونات قبلية محددة وحرمان أخرى ، وتمليكها لأصحاب النفوذ المالي والإجتماعي، إن استطاعو لذلك سبيلا.
    (4)
    في العام 2011 ، زار وفد من المجلس الوطني يتكون من رؤساء لجان وبرلمانيين وإعلاميين، زاروا الحظيرة، وفي طريق رحلتهم وبإحدى الإستراحات الرسمية، كان مسؤول رفيع يحدثهم سرًا عن مقترح لبيع غابات المحمية لصناعة الفحم النباتي، ومن ثم تقسيمها كشاريع زراعية للمستثمرين، ويريد بالطبع دعمهم، حتى إذا ما تم تمرير المقترح الى البرلمان تتم اجازته بكل سهوله ويسر.. ومن هنا بدأت الحكاية..
    (5)
    عندما كان مالك عقار واليا على النيل الأزرق، صدقت حكومته أكثر من (4) ألف فدان داخل المحمية لسليمان المتعافي، ولعدد من المزارعين بالولاية، وحكومة سنار ايضا صدقت مشاريع زراعية لعدد من المزارعين داخل المحمية، ولاعزاء لقوميتها.
    وفي تعد جديد على المحمية حصل عدد من المزارعين بولاية النيل الأزرق على  تصديقات لعدد 200 مشروع زراعي مساحة المشروع الواحد ألف فدان داخل المحمية، وهكذا يتم تسلق أسوار المحمية العالية بمساعدة الحكومات الولائية الموبوءة بهوس الاستثمارات و”الكوميشنات”..
    (6)
    الجديد في الأمر هذه المرة أن حاكم إقليم النيل الأزرق وأعضاء حكومته، ومن خلفهم نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، من حيث يدرون أو لا يدرون ، يقفون وراء تقسيم المحمية القومية والتعدي عليها وانتهاك حرماتها، تحت لافتة ترسيم الحدود، وفي تقديري ان ترسيم الحدود هذا بالمفهوم الذي يتحمسون له سيكون بمثابة الخطوة الاولى لذهاب المحمية الى الجحيم عوضا عن التعهد برعايتها وتطويرها والاستفادة منها في دعم الاقتصاد القومي.
    وفي المقابل هناك جهات داخل النيل الازرق، وسنار تنظر إلى حماس حكومة الولاية ونائب المجلس السيادي لانتزاع مشاريع زراعية لجهات دون أخرى، بعين الشك والريبة، وترسل هذه الجهات جرس انذار: (إذا سمحت الحكومة لمكونات سكانية بالتواجد داخل المحمية، فما يمنعنا من أخذ حقوقنا التأريخية ايضًا، ولِمَ لا نأخذ نصيبنا من أرض المحمية، ولماذا يستأثر بها آخرون دوننا.. هذا الإنذار لابد أن يضعه العقلاء في حسبانهم..
    (7)
    أخشى أن الخطوة التي تقوم بها حكومة النيل الازرق والمدعومة من داخل مجلس السيادة تحت لافتة ترسيم الحدود ستفتح باب تقسيم المحمية، وستحيلها إلى بؤرة صراع قبلي ساخنة حول الأرض والحواكير، وساحة حرب أهلية..
    إن قضية محمية الدندر القومية واضحة وضوح الشمس ولاتحتمل التدليس ولا المداهنة ولا التساهل، هذه محمية اتحادية تحكمها قوانين وأعراف الحظائر الدولية، وفوق كل ذلك هي شأن قومي فما الذي يجعل الوزراء الولائيين وموظفي الاستثمار ان يتنطعون لإصدار القرارات بشأنها ويضربوا بقوميتها عرض الحائط، ويشكلون لجان  ويقومون بتحركات من تلقاء أنفسهم ، فأي فوضى وأي تساهل وأي ضعف هذا، ومن أين تستمد ولاية قوتها وجرأتها لتفرض قراراتها على شأن قومي، ثم إنها تحدها ثلاث ولايات ودولة ، فإذا انفتح طريق المشارع الزراعية لكل ولاية فما الذي تبقى منها ومن حصونها القومية اللهم الإ الصراع والفوضى والحروب .. (نواصل)..…اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.