بقلم / عمر سيد أحمد محمد
“مستشار في الشؤون المصرفية والمالية، ومسؤول تنفيذي مصرفي سابق”
يُقدّم البروفيسور بدر الدين في هذه المساهمة إضافةً نوعية لحوار فكري متجدد، إذ ينتقل بالنقاش من مستوى التشخيص إلى مستوى أعمق وأكثر إشكالية، يتعلق بهوية النموذج الإصلاحي ذاته: هل هو نقل أم ابتكار؟
ما يُحسب للبروفيسور أنه رفض الثنائية الزائفة بين الأصالة والحداثة، وأحسن حين ميّز بين المبادئ الكونية كسيادة القانون والفصل بين السلطات، وبين آليات التنفيذ القابلة للتكييف. وهذا التمييز الدقيق هو بالضبط ما يفتقر إليه كثير من النقاشات المماثلة التي تنزلق إما إلى استنساخ مُخِل أو رفض مُعطِّل.
غير أن ثمة ملاحظات جديرة بالطرح:
الأولى، أن الاستشهاد بتجربة البحرين يحتاج إلى تأمل. فالبحرين نموذج ذو سياق استثنائي: صغر الحجم، والثروة النفطية، والتركيبة المجتمعية المختلفة جذرياً عن السودان. توظيفه مثالاً للتكييف المحلي مشروع فكرياً، لكنه قد يوحي بأن الحل في شخصنة الحوكمة لا في أنظمتها، وهو ما يتعارض جزئياً مع روح الإصلاح المؤسسي الذي يدعو إليه الحوار بأكمله.
الثانية، أن الدعوة إلى “الأعراف السودانية” تظل معلّقة ما لم تُحدَّد. فالسودان كيان بالغ التنوع، وما يُعدّ عُرفاً راسخاً في دارفور قد يكون غريباً في الخرطوم أو مختلفاً في البجا والنوبة. فأيّ هذه الأعراف يصلح أساساً للنموذج المنشود؟
الثالثة، وهي الأعمق، أن السؤال كما صِيغ — بين المؤسسية والهوية — قد يحمل افتراضاً ضمنياً بأن هناك توتراً حقيقياً بينهما. والأدق أن المؤسسات الناجحة تاريخياً لم تنشأ رغم الهوية بل من خلالها، أي أن الهوية كانت وقوداً للشرعية لا عائقاً أمام المؤسسية.
خلاصة: يطرح البروفيسور سؤالاً في محله تماماً، والحوار الذي يقوده مع المستشار شيقوق نموذج مُقدَّر للنقاش الفكري الجاد. والخطوة التالية — كما أرى — هي أن يتجاوز هذا الحوار الأسئلة الكبرى نحو اقتراحات قابلة للاختبار: ما الموروث السوداني المحدد الذي يمكن توظيفه؟ وفي أي مؤسسة بعينها؟ وكيف يُقاس النجاح؟ عندها يتحول الحوار من فضاء الإمكان إلى بداية الفعل.











إرسال تعليق