ظاهرة ( النينيو) ومشروع تخزين المياه

  • بتاريخ : 23 يوليو، 2026 - 4:32 م
  • الزيارات : 19
  • بقلم د. الزبير حمزة الزبير

    ✒️ في ريفي سكر سنار، حيث تتناثر القرى على امتداد الأرض الطيبة، وتستيقظ الحقول كل صباح على أنفاس الفلاحين ودعواتهم، لا تبدو الزراعة مجرد مهنة تُمارس، وإنما هي شريان الحياة الذي يجري في عروق أكثر من مائة قرية ونيف. منها يأكل الناس، ومنها تُنسج حكايات الصبر والكفاح، وعليها يقوم اقتصاد هذه الديار، فهي الأم التي ما فتئت تفتح ذراعيها لأبنائها، تمنحهم من خيرها، وتنتظر منهم أن يحفظوا عهدها.
    لكن الأرض، مهما أوغلت جذورها في الصبر، تبقى رهينةً لما تكتبه السماء. والسماء في زماننا هذا لم تعد تسير على الإيقاع القديم الذي ألفه أهل الريف؛ فقد تغيرت ملامح الفصول، واضطربت مواقيت المطر، وأصبح الفلاح يقف عند حافة الحقل، يحدق في الأفق كما يحدق المسافر في طريقٍ لا يعرف نهايته.
    إن التعقيدات المناخية والتحولات الطبيعية المتسارعة جعلت واقع هذه القرى يكتنفه شيء من القلق والغموض؛ فاقتصادها قائم في معظمه على الزراعة، ولا توجد حتى الآن بدائل كافية أو خطط احترازية واسعة يمكن اللجوء إليها إذا ما هبت رياح الجفاف، أو جاءت مواسم المطر على غير ما تشتهي الأرض.
    ومن هنا يأتي الحديث عن ظاهرة النينيو، تلك الظاهرة المناخية التي أصبحت حاضرة في نشرات الطقس والدراسات العلمية، لما لها من تأثيرات على أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم، ومنها بلدان شرق ووسط أفريقيا، وهي الرقعة الجغرافية التي يقع السودان في قلبها.
    وما نقرأه ونسمعه ونشاهده عبر التقارير المتخصصة ليس حديثًا عابرًا، ولا أخبارًا تمر كما تمر سحابة صيف، بل هو تنبيه يستوجب أن نمعن النظر فيه. فالمناخ الذي كان بالأمس صفحةً مألوفة في كتاب الطبيعة، أصبح اليوم كتابًا مفتوحًا على احتمالات كثيرة، لا يملك الإنسان أمامها إلا أن يستعد بالعلم والتخطيط وحسن التدبير.
    وعلى كل ذي بصيرة أن يتحقق مما أوردناه في صدر هذا المقال، حتى يعلم أننا لا نطلق القول على عواهنه، ولا نرجم بالغيب، وإنما نستند إلى ما تنشره المراكز المختصة، وإلى ما تؤكده الدراسات المناخية، وإلى ما تراه الأعين من تغيرات ماثلة في أحوال الطقس والمواسم. فالمعرفة ليست ترفًا حين يتعلق الأمر بالماء والغذاء ومستقبل الناس.
    وقد طالعنا، قبل أسابيع، في منبر سواعدنا، مشروعًا باذخًا في فكرته، عميقًا في رؤيته، أعده بعناية ودراية وخبرة الرجل الخلوق، والقائد الرمز، الأستاذ الطيب عبد القادر كوش. لم يكن المشروع مجرد تصور لتخزين المياه، بل كان نافذةً تطل على المستقبل، ومحاولة جادة لقراءة احتياجات المنطقة قبل أن تفرضها الظروف فرضًا.
    وقد عقب على ذلك المشروع الباشمهندس علي بله تعقيب العارف ببواطن الأمور، فحلل فكرته، وأبان مراميها، وربط بين مضامينها وما يشهده العالم من تحولات مناخية متسارعة، فجاء حديثه إضاءةً علميةً رصينة، ودعوةً صريحةً إلى أن نقرأ الغد قبل أن يداهمنا.
    وكأن الرجلين أرادا أن يقرعا جرس إنذار مبكر في ساحةٍ طال فيها الصمت، وأن يقولا إن الانتظار حتى تقع الكارثة ليس حكمة، وإن الأمم لا تحميها الأمنيات، وإنما يحميها الاستعداد. فقد وضعا اليد على موضع الداء، وأشارا إلى طريق الدواء، وبقي أن تجد الفكرة طريقها إلى أرض الواقع.
    إن الماء لم يعد مجرد قطرة عابرة تسقط من رحم الغيم، بل أصبح عنوانًا من عناوين البقاء، وركنًا من أركان الأمن والاستقرار. فالعالم اليوم ينظر إلى الموارد المائية باعتبارها قضية استراتيجية كبرى، وتشير كثير من الدراسات إلى أن الضغوط على المياه ستزداد في العقود القادمة بفعل التغيرات المناخية والنمو السكاني.
    ومن هنا فإن مشروع تخزين المياه ليس مشروعًا خدميًا محدودًا، بل هو مشروع حياة. إنه محاولة لجمع ما تمنحه السماء قبل أن تذهب هباتها بعيدًا، وتحويل مواسم الوفرة إلى رصيد لأيام الشدة. فالحفائر، والخزانات، والسدود الصغيرة، وتقنيات حصاد مياه الأمطار، ليست مجرد منشآت من طين وحجارة، بل هي جسور تمتد بين حاضر الناس ومستقبل أبنائهم.
    إننا في حاجة إلى أن نغادر مربع الانتظار، وأن ننتقل من رد الفعل إلى صناعة الفعل. فالقرى التي تعيش على الزراعة لا يكفيها أن تنتظر موسمًا جيدًا، بل تحتاج إلى منظومة تحميها من تقلبات المواسم، وتجعل الماء حاضرًا حين يغيب المطر.
    ولذلك فإننا نأمل أن تجد فكرة مشروع تخزين المياه الاهتمام الذي تستحقه من حكومة الولاية، ومن الجهات المختصة، وقبل ذلك من أبناء هذه المنطقة، ومن النافذين، وأهل الخير، وكل من يحمل في قلبه شيئًا من هم الوطن وحرص المستقبل.
    فالأرض التي أعطتنا سنابلها، تستحق أن نحفظ لها ماءها. والقرى التي صبرت على قسوة الأيام، تستحق أن نمنحها أسباب الصمود. والأجيال القادمة لا تريد منا خطبًا طويلة عن الخوف من المستقبل، بل تريد منا أعمالًا تفتح لها أبواب الأمل.
    إن المطر هبة من السماء، ولكن حسن استقباله مسؤولية أهل الأرض.
    وهنا يكمن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا بيننا:
    هل سننتظر حتى يطرق العطش أبوابنا، أم سنبني اليوم ما يحفظ لنا ماء الغد؟
    🪶 قطـــــــــرات مداد
    لو صفت النفوس عاصى الامور بنحلو
    لازمنا العمل ختو العشم في محلو
    بي عزما اكيد ورغبه وكلاما حلو
    ميثاقنا المتين مافي إيد بتحلو

    🪶 وللمداد بقية ان شاء الله