د.طلعت الطيب و الفعل التواصلي رؤية في السياسة
بقلم/زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن فضاءات الفكر و الأيديولوجية و الطواف في عوالمها، مسألة تختلف عن المجادلات التي خلفها الإرث السياسي في السودان.. و هناك بعض الكتاب دائما يحاولوا أن لا تخرج كتاباتهم عن الفضاء الفكري، و من خلاله ينتقدوا الظواهر السياسية، و من خلال تتبع الظاهر و دراستها وفقا للمرجعية الفكرية التي يؤمنون بها، و يعتقدونها غير مقدسة لإنها تتغير و تتأثر بالتغيرات التي تحدث في المجتمعات نفسها.. من هؤلاء الدكتور طلعت محمد الطيب الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي لكنه خرج من الحزب مع المجموعة التي أيدت الدارسة النقدية التي كان قدمها الخاتم عدلان في أوائل تسعينات القرن الماضي عندما سقط الاتحاد السوفيتي و حائط برلين بعنوان ” أن أوان التغيير” لكن دكتور طلعت لم يقف في تلك المحطة التي جعلته عضوا في تنظيم ” حق” إلا أنه واصل قراءاته في الأطروحات الجديدة لنقد الفلسفة الماركسية من داخل المرجعية الماركسية نفسها و الانتقادات التي قدمت لها..
داخل معهد فرانكفورت في المانيا الذي أسس في 1923م، ظهر تيارا فكريا قدم نقد جذريا للماركسية باعتبارها أصبحت ” جمودا عقائديا” و هذا التيار قدم انتقادات من خلال علم الاجتماع و الفلسفة و التحليل النفسي و الاقتصاد.. و يعتبر يورغن هابرماس الذي توفي في مارس 2026 أخر رواد تلك المدرسة. و هو من المناصرين للديمقراطية لذلك اختلف مع بعض نقد الماركسية الذين قالوا إن الحداثة قد انتهت، و قال أن الحداثة لم تفشل و لم تكتمل بعد، و إن المشكلة ليست في العقل بل في استخدامه بالشكل الضيق الذي يخدم السيطرة.. لذلك جاء بمفهوم ” الفعل التواصلي” حيث يعتقد أن البشر قادرين على التواصل و الحوار فيما بينهم إذا كان يرتكز الحوار إلي الاحترام و الصدق..
هذه الجملة الأخير أنطلق منها الدكتور طلعت الطيب في مقاله الأخير المنشور في جريدة ” سودانايل” بعنوان ” العقلانية التواصلية و دروس السودان هل تكفي الديمقراطية لمواجهة الإسلام السياسي” يقول في مقدمة المقال ( تقدم العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس تصورا مهما للديمقراطية: المجتمع الديمقراطي لا يحسم خلافاته بالعنف، أنما بالحوار و الحجة و المشاركة الحرة و لا يرى هابرماس أن الدين يجب أن يطرد من المجال العام، بل المتدينين لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية بشرط قبولهم بالتعددية و حقوق المواطنين المتساوية) و يحمل الطيب هذه المقولة و يحاول أن ينقد بها تجربة حكم الإنقاذ، و يعتبره قام على احتكارية السلطة، و لم يقبل بنتائج التحول الديمقراطي.. الأمر الذي أدى لثورة ديسمبر 2018م و لكنها لم تستطيع أن تفكك البنية التي أقام عليها النظام السياسي “نظام حكمه”.. ثم انتقد هشاشة الفترة الانتقالية التي أدت في النهاية إلي صراع مسلح و حرب مدمرة..
كل هذه المقدمة التي جاءت في مقال دكتور طلعت الطيب أراد أن ينتقل بالقارئ إلي ” الفعل التواصلي” الذي يعتبر أهم ركن في فلسفة يورغن هابرماس، بأن الحوار يفترض وجود أطراف مستعدة لقواعد الحوار.. و يتخوف طلعت أن يكون أحد أفراده يريد من الحوار و الانتخابات الوصول للسلطة فقط. و يحتفظ بأدوات القوة خارج المجال الديمقراطي لذلك يعتبر أن الحوار لوحده سوف يصبح عاجزا عن حماية الديمقراطية.. إذا رجعنا إلي تاريخ السياسة و الانتقال من النظم الشمولية إلى الديمقراطية نجد أن القوى السياسية لم تجري حوارات فيما بينها لكي تصل إلي توافقات بينها.. الحوار الوحيد الذي كان قد عقد هو بعد ثورة أكتوبر ” المائدة المستديرة” و كان محصور الأجندة في ” مشكلة الجنوب” ففكرة الحوار الدستوري أطلقت كشعار و لكنها لم تجد الدعم الذي يجعله واقعا.. و حتى نظام الإنقاذ عندما أقام حوار ” الوثبة” قيادة المؤتمر الوطني نفسها أجهضته عندما أصرت أن تخضع ” نتائج الحوار” لموافقة برلمانية، و جرى فيها التعديلات التي أجهضت الحوار و نتائجه، و يرجع ذلك لمركز القوى و محاولات احتكار السلطة.. إن اصدار أحكام من قبل الدكتور الطيب قبل أن يجري الفعل، هو قول يتنافى مع ما دعا إليه هابرماس في الفعل التواصلي.. و يكون الطيب قد فارق هابرماس و رجع إلي ثقافة ” الماركسية لينينية ” التي كان قد فارقها قبل عقدين ونيف من الزمان… هي الأحكام المسبقة على الأخر قبل الحوار.. إذا المرء حاور أية شخص تربي في كنف الماركسية في السودان، و طرح رؤية لزميل، أول سؤال يطرحه ما هو الانتماء السياسي لهذا الشخص؟ و لكي يتخذ بعده الموقف و ليس حوار الرؤية.. و هي الثقافة اليسار التي أصبحت سائدة في الساحة السياسية و العجب تستخدمها دائما كل النخب الآن..
يقول الدكتور طلعت الانتقال يحتاج إلي تغيير موازين القوى لصالح المجتمع المدني و القوى الديمقراطية.. و لابد من سؤال لتحديد وجهة المصطلحات ” ماهية القوى الديمقراطية” طلعت عشرات السنين كان يعتبر ” الزملاء” قوى ديمقراطية حتى جاء اسقاط حائط برلين و قدموا نقدا لذات القوى الديمقراطية، بأنها تخالف المصطلح و لا تمارس فعلا ديمقراطيا بسبب ” المركزية الديمقراطية” و هنا طلعت انتقد المصطلح وفقا للإنتماء السابق، و لم يبين وجهته الجديدة.. نجد أن بروف فاروق محمد إبراهيم و طه إبراهيم ” جربوع” فطنوا لذلك و أطلقوا عليها “القوى الحديثة” حتى لا تختلط على الناس الرؤية..
واحدة من إشكالية السياسة في السودان؛ بأنها قائمة على الشعارات، بعيدا عن الفكر، و تتغير الشعارات حسب الأهواء دون أن يحدث لها تنزيل في الواقع.. هنا أذكر الدكتور طلعت أن الشارع كان مساندا القوى الحزبية في الفترة الانتقالية و لكنهم خسروا الشارع.. ألان كيف يعيد الشارع توازن القوى في ظل الحرب؟ هل البديل الاستعانة بقوى خارجية و التبشير بتدخل قوى أممية وفقا للبند السابع كما يرغب البعض.. التقى مع أطروحتك التي تقول، لا يمكن أن يكون حوار بديلا عن بناء المؤسسية التي تحمي الحوار… السؤال المهم لماذا الأحزاب لا تتحمل الصبر على الديمقراطية و تنفر منه، و دائما تسعى إلي الانقلابات؟
القضية الأهم عند هابرماس في ” الفعل التواصلي هي ” الحوار بين أفراد المجتمع رغم اختلاف أفكارهم، و يجب أن يكون عندهم الدافع للوصول إلي تحقيق رؤية جماعية، و هي التي يؤسس عليها برنامجهم السياسي، أو أية هدف يريدون الوصول إليه.. هنا تكمن عبقرية هابرماس بأن الحوار نفسه يعتبر قوة قادرة على وصول لحلول لماذا؟ لآن الذين يرغبون في الحوار يعرفون أنهم سوف يقدموا تنازلات جميعا للوصل للهدف.. حقيقة أن مجهودات الدكتور طلعت الطيب مجهودات مقدرة لأنها تدفع للحوار و ممارسة النقد تعتبر طريق يقبل الرؤية الآخري.. و هي خاصية عند قلة من النخب… نسأل الله حسن البصيرة..











إرسال تعليق