بقلم/ د. سعاد فقيري
قبل أن تلتقط الأنفاس عافيتها بعد معالجة حصة السودان كاملة (15000 حاج)، وبعد أن تبدد القلق الذي لازم آلاف الأسر خوفًا من ضياع فرصة أداء الفريضة، عادت الساحة لتتوتر من جديد. هذه المرة ليس بسبب الحصة أو الإجراءات، بل بسبب قرار تجميد مهام موظف أمانة الحج داخل المجلس الأعلى للحج والعمرة، وفي توقيت بالغ الحساسية: لحظة استعداد الحجاج لبدء المناسك.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس إداريًا فقط، بل أخلاقي ومؤسسي:
لصالح من تُفتعل الأزمات داخل مؤسسة مناط بها أداء ركن من أركان الدين؟
أولًا:
التوقيت…
حين يتحول القرار إلى أزمة
القرارات في المؤسسات الحساسة لا تُقاس فقط بمضمونها، بل بتوقيتها.
اتخاذ قرار إداري كبير في ذروة موسم الحج يعني عمليًا:
إرباك سلاسل التنسيق (السكن – النقل – الإعاشة)
تشتيت فرق العمل
إدخال الحجاج في حالة قلق غير مبرر
هذا التوقيت لا يمكن تبريره بسهولة، حتى لو كانت هناك ملاحظات إدارية حقيقية. فالإدارة الرشيدة تؤجل الصراع، ولا تؤجل الخدمة.
ثانيًا:
نمط متكرر… لا حادثة معزولة
ما حدث ليس واقعة منفصلة، بل حلقة في سلسلة ممتدة لأكثر من عامين:
توترات داخلية متكررة
تغييرات مفاجئة في المواقع القيادية
تضارب في الصلاحيات
هذا النمط يشير إلى مشكلة بنيوية، لا خلافًا عابرًا.
المجلس يعيش حالة “عدم استقرار مزمن”، وهو أخطر من أي قرار فردي.
ثالثًا:
أين الخلل الحقيقي؟:
الأزمة تكشف عن ثلاث طبقات من الخلل:
1. خلل في الحوكمة
غياب قواعد واضحة لتوزيع الصلاحيات يجعل:
القرار عرضة للتسييس
المواقع القيادية عرضة للصراع
2. خلل في معايير التعيين
حين يُولى الأمر لغير أهله، تظهر النتيجة سريعًا:
ضعف في إدارة الأزمات
قرارات انفعالية بدل المؤسسية
تغليب الولاءات على الكفاءة
3. خلل في المساءلة
عدم وجود نظام مساءلة واضح يفتح الباب لـ:
استمرار الأخطاء
تكرار نفس الأزمات
غياب الردع المؤسسي
رابعًا:
فرضية “المستفيد من الفوضى”:
المؤشرات المتراكمة تطرح احتمالًا لا يمكن تجاهله:
أن هناك من يستفيد من بقاء المجلس في حالة اضطراب.
في البيئات غير المستقرة:
تضعف الرقابة
تُمرر القرارات بسهولة
يُعاد إنتاج النفوذ
وهنا تتحول الفوضى من عرض جانبي إلى أداة إدارة غير معلنة.
خامسًا:
الخطر الحقيقي:
الخطر لا يكمن فقط في الخلاف الإداري، بل في:
المساس بثقة المواطن في مؤسسات الحج.
تشويه تجربة الحاج السوداني.
إضعاف صورة الدولة في ملف ديني حساس.
الحج ليس ملفًا خدميًا عاديًا، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة شعيرة دينية بأعلى درجات الانضباط.
سادسًا:
الطريق إلى المعالجة:
1. تجميد الصراع فورًا
إيقاف أي قرارات تصعيدية خلال موسم الحج.
الإبقاء على الاستقرار التشغيلي حتى نهاية الموسم.
2. تشكيل لجنة تقصي مستقلة
مراجعة كل القرارات خلال العامين الماضيين.
تحديد مواطن الخلل والمسؤوليات.
3. إعادة هيكلة المجلس
فصل واضح بين:
التخطيط.
التنفيذ.
تحديد دقيق للصلاحيات
4. اعتماد معايير كفاءة صارمة
اختيار القيادات على أساس الخبرة
إبعاد المحاصصة والترضيات
5. نظام مساءلة شفاف
تقارير دورية.
تقييم أداء .
محاسبة حقيقية عند التقصير
الخلاصة:
ما يحدث داخل المجلس الأعلى للحج والعمرة ليس مجرد خلاف إداري، بل أزمة إدارة وثقافة مؤسسية.
وحين تُدار شعيرة بحجم الحج بعقلية الصراع، تكون النتيجة حتمية:
ارتباك في القرار، وتآكل في الثقة، وخدمة دون المستوى.
الإصلاح يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في النظام الذي يسمح بتكرارها.
فالحج عبادة… لكن إدارته مسؤولية دولة.











إرسال تعليق