بل مصلحتنا في الديمقراطية يا عقار بقدر حبكم للشمولية

  • بتاريخ : 27 أبريل، 2026 - 6:19 م
  • الزيارات : 8
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    سخر نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار من المطالبة بالتحول الديمقراطي، واعلن الرفض المطلق للنموذج الديمقراطي الغربي وحصر عقار مطالب الشعب السوداني الأساسية وأولوياته  في الخدمات وتوفير سرير في المستشفى وليس التحول الديمقراطي، وكأن الديمقراطية والحكم الرشيد لا يأتيان إلا خصما على الخدمات، او كأن الأمران متضادان..
    ولم يقف عقار عند هذا الحد بل طالب القوى السياسة  ( القوى المشردة بعواصم العالم، والمطلوب القبض على رموزها، والمُلاحقة بنشرات الانتربول، ودعاوي جنائية يشيب له الولدان، ) والقوى المتفرجة حاليا- طالبها عقار بأن تبتكر ديمقراطية جديدة غير ديمقراطية الغرب “ويستنمنستر”..
    (كدي خليهم يجو بلدهم اول، بعدين طالبوهم بابتكار نموذج جديد)
    (2)
    تحدث عقار باسم الملايين وحصر مطالبهم  واولوياتهم في الخدمات الضرورية ، تعليم وصحة وماء وسرير في مستشفى..ليؤكد باسم الشعب أن الديمقراطية ليست مطلبا شعبيا وليست من اولويات الشعب..
    حديث عقار هذا ذكرني قصة كان يرويها لنا جدي لأبي رحمه الله رحمة واسعة..
    تقول القصة أن احد البخلاء من نواحي منطقتنا كان يتناول إفطاره مع ابنائه واحفاده، وكان على المائدة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.. في هذه الأثناء حضر نفر من القرية المجاورة.. وقبل ان يرد عليه التحية، بادرهم بكلمة واحدة: اتفضلوا..وقبل أن يقولوا شيئا باغتهم بعبارة أخرى : ولّا صايمين؟..وقبل أن يجيبوا بالنفي أو الإيجاب..تولى هو الإجابة بنفسه: (طبعا إنتو آ أسيادنا الأشراف بتصوموا ساااي، لكن نحنا العنقالة ديل ترا بننتل بس)..
    لاحظوا أن الرجل البخيل مستمتع بوضعه على المائدة، ولايريد أن يشاركه أحد من القادمين لذلك حدد لهم خيار “الصيام”، وأن أولويتهم الصيام وليس الأكل حسب مصلحة الذي حدد اولوياتهم حتى لايزاحمونه على المائدة..
    (3)
    الديمقراطية ليست خصمًا على الخدمات بل العكس تماما ياسيد عقار، الديمقراطية هي زيادة في الخدمات وعدالة في توزيعها، وقسمة لها بالسوية.. وهي عدالة يحرسها القانون، ويراقبها الإعلام الحر … وهي تشريعات يسنها الشعب من خلال ممثليه في مؤسسات التشريع..
    وهذا عمليا مناخ وفرته ديمقراطية و”يستمنستر” التي يرفضها عقار..
    مطالبة عقار القوى السياسية بابتكار ديمقراطية جديدة هي هروب من استحقاقات التحول الديمقراطي، وهو امر يستحيل تحقيقة على ارض الواقع..لكن قبل كل شيء أسال السيد عقار عن القوى السياسية التي طالبها بإجتراح نموذج ديمقراطي جديد، هل هي الحركة الشعبية جناح عقار، أم أحزاب ” توالي بورسودان الجديدة” أم الحركات التي مازالت في طور التخلق ولم تزل مضغة في رحم السياسة، ام تقصد القوى السياسية بالمنافي والملاجيء؟!
    (4)
    اعجب لهؤلاء الساسة الشموليين، عندما تقتضي مصالحهم تعظيم الشعب السوداني في حالات التعبئة والاستقطاب يجعلونه في مصاف العلماء الافذاذ، والنبلاء الاطهار، والابطال العظماء..فيقولون: الشعب السوداني معلم الشعوب، الشعب السوداني العظيم النبيل الكريم الذي ليس كمثله شعب على الارض، فيبالغون في مدحه..
    وعندما تقتضي مصالحهم التقليل من شأنه يستنكرون عليه ان يحكم نفسه بنفسه، لأنه بحسب تبريرهم الميكافيلي ان الشعب غير مؤهل وغير جاهز للديمقراطية، وان الديمقراطية لاتناسب طبيعة شعب تتفشى فيه الامية والجهل ، وانه مجتمع رعوي متخلف وهكذا يزعمون لترسيخ حكمهم الشمولي وتنفير الناس مت الديمقراطيها وتبخيسها.
    (5)
    لا استغرب ان يسخر عقار من المطالبة بالتحول الديمقراطي، لأن تركيبة الرجل وطبيعته تتقاطع مع الديمقراطية، كما أن عقار مستفيد جدا من الاوضاع الشمولية الحالية التي تتوارى وتغيب فيها سيادة حكم القانون، وتعم فيها الفوضى والظلم والمحسوبية، واكل اموال الناس بالباطل.
    (6)
    إن وجود 8 ملايين من الرعاة والأميين باطراف البلاد لايبرر الاستمرار في الحكم الشمولي ولايستدعي اجتراح ديمقراطية تعجيزية جديدة بل يحفز للتحول الديمقراطي الذي يؤسس للحكم الرشيد وينهي حقبا من الطغيان والاستبداد، ويرسخ للعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان وحكم القانون واقتسام خدمات الصحة والتعليم والتنمية بالسوية..وأخيرا اريد ان اذكِّر السيد عقار أن ديمقراطية “ويستمنستر” ترسخ للعدالة وسيادة القانون لدرجة أن الرئيس هو في سدة الحكم يؤتى به امام المحاكم، ويحاكم ويدان او يبرأ، والإعلام لا يلاحق جنائيا ولايضيق عليه لمجرد إشارة صغيرة إلى بؤر الفساد والنتانة والمحسوبية التي تدفع بأهل الحظوة والجاه إلى (مواقع- حسب الطلب) دون منافسة ولايحزنون.. لذلك يا سيد عقار نحن نختلف عنك فنحن خيارنا واولويتنا الديمقراطية، ومصلحتنا مرتبطة بها، مثلما ارتبطت مصالحكم بالشمولية.. فدعنا ندعوا لها دون إكراه أو وصاية…اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.