بقلم/ الطيب شيقوق،
المحامي والمستشار القانوني
في عالمٍ يموج بالأصوات، وتتنافس فيه الكلمات على جذب الانتباه، أصبح الصمت قيمة نادرة، وحكمة لا يجيدها إلا من امتلك وعيًا عميقًا بذاته وبالآخرين.
فليس كل من صمت عاجزًا عن التعبير، وليس كل من أكثر الحديث مالكًا للحقيقة؛ فقد يكون الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وقد تكون كلمة واحدة موزونة أعمق أثرًا من صفحات طويلة.
لقد كان الصمت عبر التاريخ سمةً من سمات الحكماء والعقلاء، لأنهم أدركوا أن اللسان قد يكون طريقًا إلى الرفعة، وقد يكون بابًا للندم. فالكلمة مسؤولية، والإنسان يُعرف بما يقول كما يُعرف بما يفعل. ومن هنا جاء قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “المرء مخبوء تحت لسانه”، وهي حكمة تختصر تجربة طويلة في فهم طبيعة الإنسان؛ فالكلمات تكشف مقدار علمه، ونضج فكره، ورقي أخلاقه.
ولقد علمتنا الحياة أن حسن الإنصات لا يقل أهمية عن حسن الحديث. ففي لجان التعيين والمقابلات الوظيفية، كثيرًا ما يكون الهدوء، والقدرة على الاستماع، واختيار العبارات المناسبة، من الصفات التي تمنح صاحبها تقديرًا واحتراما. فالشخص الذي لا يسارع إلى الكلام قبل أن يفهم، ويجيب بقدر السؤال، يعطي انطباعًا بالنضج والثقة والقدرة على تحمل المسؤولية.
كثير من الصمت ليس فراغًا، بل هو مساحة تمتلئ بالتفكير والمراجعة والتأمل. ففي لحظات الصمت يكتشف الإنسان أخطاءه، ويرتب أولوياته، ويستعيد توازنه بعيدًا عن ضجيج الانفعال.
وكم من موقفٍ كان يمكن أن يتحول إلى خصومة بسبب كلمة عابرة، لولا أن أحد الأطراف اختار الصمت الحكيم.
وفي العلاقات الاجتماعية، قد يكون الصمت أحيانًا لغة احترام، فهو يحفظ للناس مكانتهم، ويمنح الحوار فرصة للنضج. وليس كل خلاف يحتاج إلى رد، وليس كل استفزاز يستحق جوابًا؛ فالعاقل يعرف أن بعض الانتصارات تكون بالابتعاد عن الجدل، وأن حفظ الكرامة أحيانًا يكون في تجاوز الإساءة لا في الرد عليها.
غير أن الصمت لا يعني الانكفاء أو الهروب من المسؤولية، فهناك مواقف يصبح فيها الكلام واجبًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحق والعدل ونصرة المظلوم. فالحكمة ليست أن نصمت دائمًا، وإنما أن نعرف متى يكون الكلام موقفًا، ومتى يكون الصمت حكمة.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الكلمة تنتشر في لحظات وتصل إلى آلاف الأشخاص، تزداد الحاجة إلى ثقافة الصمت والتروي. فليس كل ما نعلمه يُقال، وليس كل ما يصلنا يستحق النشر، وليس كل اختلاف يستدعي مواجهة.
إن ضبط اللسان في هذا العصر أصبح نوعًا من المسؤولية الأخلاقية.
وقد قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وهو توجيه نبوي يرسم للإنسان ميزانًا دقيقًا بين فضيلة الكلام وفضيلة الصمت.
إن الإنسان الحكيم ليس هو الأكثر حديثًا، بل هو الأكثر وعيًا بأثر كلماته. فإذا تحدث ترك أثرًا طيبًا، وإذا صمت كان صمته مليئًا بالمعنى. فالكلمات تُظهر ما في العقول والقلوب، والصمت يكشف مقدار ما يملكه الإنسان من حكمة وضبط للنفس.
وفي النهاية، يبقى الصمت الجميل هو ذلك الذي لا يأتي من ضعف، بل من قوة؛ لا يكون هروبًا، بل اختيارًا؛ ولا يكون غيابًا، بل حضورًا من نوع آخر. فمن ملك لسانه ملك زمام نفسه، ومن أحسن اختيار كلماته كسب احترام الناس وثقتهم.











إرسال تعليق