القطاع المصرفي السوداني.. الاختلالات البنيوية، المعايير الدولية، وخريطة طريق الإصلاح

  • بتاريخ : 3 مايو، 2026 - 12:07 م
  • الزيارات : 3
  • بقلم / عمر سيد أحمد

    خبير مصرفي ومالي مستقل  o.sidahmed09@gmail.com

    ثمة حقيقة يُقرّها علم الاقتصاد السياسي بوضوح: أن انهيار الجهاز المصرفي في أي دولة ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو انهيار في الوظيفة الحضارية للدولة ذاتها. فالبنوك وسيط الثقة الذي يُحوّل المدخرات إلى طاقة إنتاجية، وهي الأداة التي تقيس بها المؤسسات الدولية درجة النضج المؤسسي لأي اقتصاد. وفي السودان، بلغ هذا الجهاز مراحل انهيار غير مسبوقة في تاريخه المعاصر.
    منذ ثمانينيات القرن الماضي، تراكمت طبقات الخلل: سياسات تمكينية انتهازية، وأسلمة أحادية دون بنية مؤسسية ناضجة، وخصخصة مُتعجّلة أفادت منها نخب سياسية. وجاء انقلاب أكتوبر 2021 ليعمّق هذه الجراح، ثم أتت حرب أبريل 2023 لتُتمّ الكارثة، وها نحن ندخل العام الرابع منها دون أفق واضح لوقف النار. الحرب لم تصنع الأزمة المصرفية؛ بل كشفت هشاشة بنيانٍ كان واهياً من الأساس — وزادت عليه أبعاداً لم تشهدها منطقتنا من قبل.

    أولاً: ما الذي دمّرته الحرب؟ – أربع سنوات من الانهيار المتراكم
    وفقاً لتقرير بنك السودان المركزي (مطلع 2026) المُستشهد به في دراسات الاقتصاد السوداني، تعرّض ما لا يقل عن 100 فرع مصرفي من أصل 833 للتدمير الكامل — أي 12% من إجمالي شبكة الفروع الوطنية. وتجاوزت الخسائر المادية المباشرة ما يمكن إحصاؤه بسهولة؛ إذ ضاعت أرشيفات كاملة تحمل بيانات العملاء وسندات الضمانات العقارية، وانهار نظام المقاصة والتحويلات الإلكترونية. والأثقل وطأةً أن أكثر من ستة بنوك أجنبية غادرت السودان تباعاً. وتُؤطّر أرقام البنك الدولي (Sudan Economic Update, May 2025) حجم الكارثة: انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023، يليه انكماش إضافي بـ13.5% في 2024 — وهو من أشد موجات الانكماش في التاريخ الاقتصادي الحديث. وتراجعت إيرادات الحكومة من 10% من الناتج المحلي عام 2022 إلى أقل من 5% عام 2023، فيما قفز معدل البطالة إلى 47% ومعدل التضخم إلى 170% عام 2024. والأكثر إيلاماً أن نسبة الفقر تضاعفت من 33% إلى 71% خلال عامين فقط.
    على صعيد سعر الصرف، بلغ الدولار في السوق الموازي نحو 560 جنيهاً ليلة اندلاع الحرب (أبريل 2023)، ثم تتالت موجات الانهيار لتصل إلى 3,580 جنيهاً في سبتمبر 2025، وتجاوزت 4,250 جنيهاً في أبريل 2026 — وهو ما يمثل تدهوراً بأكثر من 650% في ثلاث سنوات (موقع أخبار السودان للرصد اليومي، أبريل 2026). هذا الانهيار يُعيد رسم الجدوى من قيمة رؤوس أموال البنوك المُعلنة بالجنيه السوداني؛ إذ أن أي بنك كان رأسماله يعادل 10 ملايين دولار عام 2023 قد بات ما يعادله بالجنيه لا يشتري اليوم سوى أقل من مليوني دولار — أي تآكلٌ فعلي تجاوز 75%.

    ثانياً: الانقسام المالي – سيادة مجزأة وعملة في حرب
    يُمثّل الانقسام المالي الحادث في السودان ظاهرة نادرة في تاريخ الأزمات المصرفية الحديثة، وهو ما يُضاف إلى قائمة الاختلالات البنيوية القديمة ليُعقّد أي مسار للإصلاح.
    في يناير 2026، أطلق رجال أعمال مرتبطون بقوات الدعم السريع تطبيقاً مالياً في دارفور تحت مسمى «المستقبل للخدمات المصرفية والمالية». وأصدر بنك السودان المركزي في 28 يناير 2026 تحذيراً رسمياً من التعامل مع هذا التطبيق، مؤكداً أنه «يخالف قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014» (بنك السودان المركزي، بيان رسمي، يناير 2026؛ سودان تريبيون، 28 يناير 2026). وتبع ذلك إعلان تحالف «تأسيس» — الذراع السياسي للدعم السريع — عزمه إنشاء وزارة مالية وبنك مركزي موازٍ، في خطوة رآها مراقبون نواةً لـ«دولة داخل الدولة» (سودان تريبيون، يناير 2026).
    على الأرض، يعيش إقليم دارفور حالة عملة مزدوجة شاذة: الحكومة السودانية أصدرت فئات نقدية جديدة، بينما لا تزال الفئات القديمة هي المتداولة في مناطق الدعم السريع، إذ فرضت هذه القوات العملة الورقية القديمة «مبرئةً للذمة» وأجبرت التجار على قبولها. وأدى ذلك إلى ظهور سعرَين: سعر بالكاش وسعر آخر أعلى بنسبة تصل إلى 20% عبر تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، وقد سجن الدعم السريع موظفين حكوميين بجريمة تلقّي رواتبهم عبر هذا التطبيق من بورتسودان (موقع دارفور 24، أبريل 2026؛ العربي الجديد، فبراير 2026).
    الخلاصة الاستراتيجية: أشارت تقارير منصة TRT Africa وتحليلات خبراء اقتصاديين، من بينهم الخبير المصرفي نجم الدين الطيب في تصريحاته لـ«العربي الجديد» (فبراير 2026)، إلى نشوء «اقتصاد مزدوج» في السودان تُدار فيه المناطق بأنظمة مالية موازية تشمل فرض جمارك ودفع مرتبات خارج سلطة البنك المركزي. وحذّر الطيب من أن إنشاء عملة موازية سيواجه رفضاً في بقية السودان الذي يُمثّل السوق الأساسي لمنتجات دارفور. هذا التشظي المالي يُضيف عائقاً بنيوياً جديداً على كل خطة إصلاح مصرفي، إذ لا يمكن بناء نظام نقدي موحّد في ظل انقسام في السيادة الترابية والمؤسسية.

    ثالثاً: الاختلالات البنيوية المزمنة — ما قبل الحرب وما أضافته
    ١- شلل السياسة النقدية: منذ منتصف التسعينيات، هجر بنك السودان المركزي أدوات السياسة النقدية الكلاسيكية — سعر الفائدة، الاحتياطي الإلزامي، سعر الخصم — واستعاض عنها بـ«شهادات شهامة» التي باتت في الواقع وسيلةً لتمويل عجز الموازنة لا لضبط السيولة. وحين عجزت بعض البنوك عن السداد، حوّل البنك المركزي ديونها إلى «حصص شراكة»، فأصبح مراقباً ومساهماً في آنٍ واحد، مُخلاً بأبسط قواعد الاستقلالية الرقابية (تقرير صندوق النقد الدولي، المادة الرابعة، 2020).
    ٢- هشاشة رأس المال والحوكمة: تعمل معظم البنوك السودانية برأسمال اسمي لم يعد له وزن حقيقي بعد انهيار الجنيه. وتُوجَّه حصص كبيرة من التمويل لمساهمين ومديرين خارج أي ضوابط حوكمة فعلية. وتكشف دراسة أكاديمية محكّمة نُشرت في مجلة Journal of Risk and Financial Management (MDPI، أغسطس 2025) أن نسبة كفاية رأس المال الكلية للقطاع تراجعت من 60.7% إلى 22.5% خلال الفترة 2016-2022، وهي مرشحة لمزيد من التآكل في ظل استمرار الحرب.
    مفارقة سعر الصرف وأزمة رأس المال الحقيقي: في مسعى إصلاحي، خاطب بنك السودان المركزي عدداً من البنوك بضرورة رفع رؤوسها المالية إلى 140 مليار جنيه على مدى سنوات (سياسات بنك السودان 2026؛ التقرير متاح على الموقع الرسمي cbos.gov.sd). غير أن هذا القرار يكشف معضلة بنيوية: التفاوت الكبير بين السعر الرسمي المجمّد (590–600 ج/دولار)، وسعر البنوك التجارية (2,800–3,350 ج)، وسعر السوق الموازي (4,150+ ج في أبريل 2026). بنك قيّم رأسماله بالسعر الرسمي بـ140 ملياراً يُحقق على الورق ما يعادل 233 مليون دولار — لكن بسعر السوق لا تتجاوز قيمته الحقيقية 34 مليون دولار، أي تآكلٌ فعلي بنسبة 85%. وطالما ظل التقييم مرتبطاً بسعر مُتجمّد، تبقى أرقام رأس المال المُعلنة مُضلِّلةً لأي رقابة دولية.
    ٣- الإقصاء المالي: لا يتجاوز نسبة السودانيين الذين يملكون حسابات مصرفية نشطة 15.3%، وهو أدنى معدل في أفريقيا جنوب الصحراء (صندوق النقد الدولي، تقرير المادة الرابعة، 2020)، في مقابل 83% في كينيا و64% في مصر (قاعدة بيانات Global Findex، البنك الدولي، 2021). تتكدس البنوك في الخرطوم وتغيب عن الأرياف، مما يعزز الاعتماد على الاقتصاد النقدي غير الرسمي ويُضعف الرقابة الضريبية ويُوسّع نفاذ شبكات غسل الأموال.
    ٤- ترهّل البنك المركزي: يضم بنك السودان 17 إدارة عامة تتفرع منها 37 إدارة تنفيذية، فضلاً عن 18 فرعاً إقليمياً (الهيكل التنظيمي المنشور على الموقع الرسمي لبنك السودان). هذا التضخم البيروقراطي واجهة لاستيعاب كوادر الدولة العميقة، وليس انعكاساً لحاجة وظيفية. وأضاف نقل مقر البنك المركزي إلى بورتسودان في ظروف الحرب عبئاً تشغيلياً جديداً. وتُشير سياسات بنك السودان للعام 2026 صراحةً إلى أن القطاع يمر بـ«مرحلة إعادة بناء جذرية» وأن أكثر من 70% من فروع البنوك أُغلقت خلال الحرب (موقع أتر الاقتصادي، يناير 2026).
    ٥- تعارض المصالح الجذري: المراقِب مساهِمٌ ومسلَّح في آنٍ واحد
    يُعد هذا الاختلال من أشد العوامل تدميراً لمفهوم الرقابة المصرفية المستقلة، ويتجلّى في ثلاثة مستويات متداخلة:
    أولاً — بنك السودان مساهماً في البنوك التي يراقبها: تحوّل بنك السودان المركزي، عبر آلية تحويل ديون البنوك المتعثرة إلى «حصص شراكة»، إلى مساهم فعلي في عدد من البنوك التجارية. وينصّ قانون بنك السودان لعام 2002 في مادته (54) على إمكانية امتلاك البنك لأسهم في المؤسسات المالية (النص الكامل للقانون متاح على cbos.gov.sd). غير أن هذه الصلاحية تحوّلت إلى ثغرة هيكلية عميقة تُخلّ صراحةً بالمبدأ الأول من «المبادئ الأساسية للرقابة المصرفية الفعّالة» الصادرة عن لجنة بازل (BIS، 2012)، الذي يشترط استقلالية جهة الإشراف وخلوّها من أي تضارب في المصالح.
    ثانياً — القوات المسلحة السودانية مساهمةً في البنوك: وثّقت وزارة الخزانة الأمريكية (بيان OFAC، يناير 2024) أن شركة «زادنا الدولية» — إحدى أبرز مكوّنات الإمبراطورية التجارية للقوات المسلحة السودانية — نُقلت تحت سيطرة الصندوق الاجتماعي للقوات المسلحة بهدف إخفائها عن الرقابة المدنية، ووُصفت بأنها «أداة لغسيل الأموال العسكرية» (U.S. Department of the Treasury, Press Release, January 31, 2024). وتُمثّل مؤسسات مرتبطة بالمنظومة العسكرية شريحة من المساهمين في عدد من البنوك السودانية، مما يجعلها أدوات تمويل عسكري بدلاً من وسطاء مالية مستقلة.
    ثالثاً — قوات الدعم السريع تمتلك بنكاً وتوظّفه: صنّفت وزارة الخزانة الأمريكية في العقوبات ذاتها «بنك الخليج» (Alkhaleej Bank) باعتباره خاضعاً لسيطرة قوات الدعم السريع وأداةً جوهرية لتمويل عملياتها العسكرية. وأشارت إلى أن البنك تلقّى 50 مليون دولار من بنك السودان المركزي قُبيل اندلاع الحرب مباشرةً (OFAC, 2024). ووثّقت كلٌّ من منظمة Global Witness (2019) ومنظمة The Sentry (فبراير 2026) الشبكة المالية المحيطة بقيادة الدعم السريع، بما فيها استثمارات في الذهب والمصارف والعقارات تمتد من السودان إلى الإمارات.
    الخلاصة التحليلية: حين يكون المراقِب مساهِماً، والجيشُ مصرفياً، والمليشيا مديرةً لبنك، تنهار الوظيفة الرقابية من جذورها. لا يمكن لأي إصلاح مصرفي حقيقي أن ينجح دون معالجة هذا التشابك الثلاثي الأبعاد: إلزام بنك السودان بالتخلص من جميع حصصه في البنوك التجارية، ومصادرة ملكية المؤسسة العسكرية في البنوك وإخضاعها للقطاع المدني، والتعامل مع بنك الخليج وأي بنك مماثل وفق آليات التصفية أو إعادة الهيكلة تحت إشراف دولي.

    رابعاً: السودان والمعايير الدولية — الهوّة الكبيرة
    تشكّل اتفاقيات بازل الصادرة عن لجنة بازل للرقابة المصرفية التابعة لبنك التسويات الدولية (BIS) المرجعية العالمية الأساسية لتنظيم القطاع المصرفي. وتقوم على ثلاث مراحل متطورة:
    بازل 1 (1988): الحد الأدنى لنسبة كفاية رأس المال 8% من الأصول المرجّحة بالمخاطر (Basel Committee on Banking Supervision, 1988). وهذا هو الحد الذي لا تزال بنوك سودانية عديدة تعجز عن بلوغه فعلياً، فيما حدّد بنك السودان الحد الأدنى بـ12% دون تطبيق فعلي لدى عدد من البنوك (IMF, 2020).
    بازل 2 (2004): أضافت ثلاثة محاور: متطلبات رأس المال القائمة على المخاطر، الرقابة الإشرافية، والإفصاح. وأدخلت مفهوم مخاطر التشغيل (Basel Committee on Banking Supervision, 2004) — وهو مفهوم غائب كلياً في الممارسة السودانية.
    بازل 3 (2010، تعديلات 2017): رفعت نسبة رأس المال الأساسي (CET1) إلى 4.5%، وأضافت هامش حماية 2.5%، وفرضت نسبة تغطية السيولة (LCR) وصافي التمويل المستقر (NSFR) ونسبة الرافعة المالية بحد أدنى 3% (BIS, 2017).

    جدول مقارنة: الالتزام ببازل مقارنةً بدول الإقليم (2024–2025)
    نسبة كفاية رأس المال الفعلية
    بازل 3
    بازل 2
    بازل 1
    الحد الأدنى لرأس المال
    الدولة
    أقل من 8% *
    غير مطبق
    غير مطبق
    جزئي
    10 م. دولار
    السودان
    13–15%
    مطبق بالكامل
    مطبق بالكامل
    مطبق
    9.5 م. دولار
    مصر
    18–20%
    جزئي
    مطبق بالكامل
    مطبق
    25 م. دولار
    كينيا
    14–16%
    قيد التطبيق
    جزئي
    مطبق
    75 م. دولار
    إثيوبيا
    17–19%
    مطبق
    مطبق بالكامل
    مطبق
    15 م. دولار
    رواندا
    * السودان: MDPI (2025) وبيانات بنك السودان المركزي. النسب الإقليمية: تقارير البنوك المركزية المعنية 2024–2025 (CBK Kenya; NBR Rwanda; NBE Ethiopia; CBE Egypt).

    خامساً: الوضع الراهن للبنوك السودانية — تشخيص تحليلي
    تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن انعدام الشفافية في القطاع المصرفي السوداني — الذي تفاقم بفعل الحرب وتعذّر التدقيق الميداني — يجعل أي تصنيف دقيق للبنوك رهيناً بشُح البيانات الموثوقة. بنك السودان المركزي لم ينشر تقارير رقابية مفصّلة منذ اندلاع الحرب، والتقارير الدولية المتاحة تستند في معظمها إلى بيانات ما قبل 2023. وعليه، فإن التصنيف الآتي يجمع بين ما هو موثّق من مصادر دولية معتمدة وما هو تقديري مبني على تحليل خبراتي — مع التصريح بهذا التمييز في كل موضع.
    ما هو موثّق بمصادر: وفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي لعام 2020 (IMF Country Report No. 20/73)، كانت عدة بنوك سودانية تعمل بنسب كفاية رأسمال أقل من الحد الأدنى القانوني المحدد بـ12%، وبعضها بنسب سالبة — أي أن التزاماتها تتجاوز موجوداتها قبل الحرب. وتكشف دراسة Altman’s Z-Score المحكّمة المنشورة في MDPI (أغسطس 2025) أن هذه النسبة الكلية تراجعت من 60.7% إلى 22.5% بين 2016 و2022. وبحلول 2026، في ظل الحرب وانهيار الجنيه بأكثر من 650%، تُشير المؤشرات المتاحة إلى أن نسب التعثر قد تجاوزت 50% في القطاع، مما يعني أن التزامات شريحة واسعة من البنوك باتت تفوق موجوداتها — وهو تعريف الإفلاس التقني.
    على أساس ذلك، وفي غياب تحديثات رقابية موثوقة عن الوضع الراهن، يمكن تقدير المشهد تحليلياً على النحو الآتي:
    الفئة الأولى — البنوك في حالة إفلاس تقني (تقديرياً نحو 40% من البنوك): عاجزة عن استيفاء أي من متطلبات بازل. معظمها أُسس في التسعينيات كواجهات تمويل سياسي برأسمال اسمي هزيل، وهو ما أشار إليه تقرير IMF (2020) حين رصد بنوكاً ذات نسب كفاية سالبة. تجمّدت عملياتها شبه كلياً منذ 2023، وتتجاوز التزاماتها موجوداتها الفعلية، وبقاؤها يُمثّل عبئاً على النظام لا إضافةً إليه.
    الفئة الثانية — البنوك ذات الملاءة الهشة (تقديرياً نحو 45%): تمتلك رأسمالاً اسمياً يستوفي الحد الأدنى القانوني على الورق، لكنه تآكل فعلياً بفعل انهيار الجنيه وارتفاع نسب التعثر. تفتقر إلى أنظمة إدارة مخاطر حقيقية، وتعتمد اعتماداً مفرطاً على شهادات شهامة كاحتياطي سيولة — وهي أداة غير قابلة للتسييل الفوري كما أشار إليه تقرير IMF الإقليمي (METAC, 2025).
    الفئة الثالثة — البنوك ذات الأداء النسبي (تقديرياً نحو 15%): تضم عدداً محدوداً — في مقدمتها بنوك ذات شراكات خليجية — طوّر أنظمة حوكمة نسبية واحتياطيات أفضل. يعتمد بعضها على تطبيقات رقمية كـ«بنكك» التابع لبنك الخرطوم، وهو ما أصبح ورقة ضغط في مناطق الدعم السريع.
    ملاحظة منهجية: النسب الواردة أعلاه (40%، 45%، 15%) تقديرات تحليلية خبراتية لا أرقام رقابية رسمية، وتستند إلى: IMF Country Report (2020)، ودراسة MDPI/JRFM(أغسطس 2025)، وسياسات بنك السودان (2026)، إضافة إلى تقديرات الكاتب المبنية على متابعة ميدانية. وتبقى بحاجة إلى تحقق مستقل حين تتاح البيانات الرقابية الكاملة.
    يُجسّد تقرير البنك الدولي حول السودان (Sudan Economic Update, May 2025) الإطار الدولي الذي يرى فيه المراقبون هذا القطاع: فبينما يتوقع التقرير أن الاقتصاد السوداني لن يعود إلى مستويات ما قبل الحرب قبل عام 2031 في أفضل السيناريوهات، وربط البنك الدولي استئناف برامجه بتقييم شامل للقطاع المصرفي والقطاع الخاص — رسالةٌ واضحة بأن المؤسسات الدولية لا تضخ موارد في بيئات مالية تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستعداد المؤسسي. ومن التوصيات الجوهرية التي أوردها التقرير: توحيد سعر الصرف، وتفعيل إطار إدارة المالية العامة، و«إخراج الاقتصاد من قبضة المؤسسة العسكرية» كشرط لإطلاق إمكانات النمو وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة.

    سادساً: خريطة طريق الإصلاح — ثلاثة مسارات متوازية
    في ظل هذا الواقع المعقد — حرب لم تنتهِ، وانقسام مالي، وانهيار الجنيه، وتآكل رأس المال — لا يمكن الاكتفاء بخطة إصلاح مصرفي كلاسيكية. تستلزم المرحلة ثلاثة مسارات تُنفَّذ بالتوازي، لا بالتسلسل، وفق ما تُرسيه أفضل الممارسات الدولية في إعادة بناء الأنظمة المصرفية ما بعد النزاع (IMF, Fiscal Affairs Department, 2022؛ World Bank, Financial Sector Assessment Program):

    المسار الأول — الإنقاذ العاجل (خلال أول 12 شهراً بعد وقف النار):
    تصفية شهادات شهامة تدريجياً واستعادة أدوات السياسة النقدية الكلاسيكية. تسوية التزامات البنك المركزي تجاه البنوك لتخفيف أزمة السيولة. إعادة الرسملة الطارئة للبنوك القادرة على البقاء بمعادل الدولار لا الجنيه — مع التأكيد على أن طرح زيادة رأس المال وفق الأسلوب التقليدي ذاته الذي كان سائداً قبل الحرب لا يكفي وحده؛ إذ ينبغي أن يصحب هذا الإجراء متطلبات حاسمة وواضحة: أن يُقدّم كل بنك خطةً ملزمة لزيادة رأسماله سواء عبر استدعاء المساهمين القدامى أو استقطاب مساهمين جدد أو تسييل أصوله الثابتة أو شبه الثابتة، على أن تستبعد هذه الخطة أي اعتماد على أرباح أعمال مستقبلية متوقعة — إذ يتعذر التنبؤ بحجم الأعمال في ظل الوضع الاقتصادي والمالي المضطرب لما بعد الحرب. وفي حال عجز أي بنك عن استيفاء هذا الشرط خلال المهلة المحددة، يُخضَع وجوباً للاندماج مع مصرف آخر استوفى شروط التعافي وفق التوجيهات الرقابية. ذلك أن إبقاء الباب موارباً في انتظار انقضاء فترة زيادة رأس المال دون قرار حاسم ينطوي على ضعف في منهجية الإشراف، ولا يُفضي إلى حل ناجع في المدى القصير أو المتوسط الذي تستلزمه خطورة المشكلة — لا سيما أن معظم البنوك تحتاج أصلاً إلى مدة مطوّلة لإعادة تأهيل فروعها وإعادة فتحها في ولاية الخرطوم، وهو ما يتناقض تناقضاً صريحاً مع المضي في مسار زيادة رأس المال في ظل شُح الموارد. إطلاق مسح ميداني شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي — مركز METAC للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. معالجة الانقسام المالي عبر إعادة ضخ الفئات النقدية الجديدة إلى غرب السودان كشرط في أي تسوية، وإلغاء الأنظمة المالية الموازية غير المرخصة.
    المسار الثاني — الامتثال ببازل 2 (3–5 سنوات):
    رفع الحد الأدنى لرأس المال إلى ما يعادل 50 مليون دولار محسوباً بسعر السوق. دمج البنوك من 37 إلى 10–12 مصرفاً قادراً. فرض نسبة كفاية رأس مال لا تقل عن 8% بالمعادل الدولاري لا الجنيهي. تطوير أنظمة تصنيف المخاطر الداخلية (IRB Approach) وفق ركيزة بازل 2 الأولى. اعتماد معايير الإفصاح والشفافية وفق الركيزة الثالثة. بناء قاعدة بيانات ائتمانية مركزية. الانضمام الكامل لمتطلبات مجموعة FATF— شرط جوهري للخروج من القوائم الرمادية وإعادة الاندماج في نظام SWIFT.
    المسار الثالث — التحول نحو بازل 3 والرقمنة (6–10 سنوات):
    تطبيق نسبة تغطية السيولة (LCR) وصافي التمويل المستقر (NSFR). بناء احتياطيات رأس مال مضادة للتقلبات الدورية (Countercyclical Buffer). تطوير اختبارات الضغط (Stress Testing) الدورية. تبني معيار IFRS 9 للأدوات المالية. منح رخص لبنوك رقمية بالكامل تخدم الريف والمغتربين على غرار M-Pesa (كينيا) وبنك الهاتف في رواندا. إصلاح بنك السودان المركزي هيكلياً بإلغاء قانون 2002 وإخضاع تقاريره للبرلمان لا للسلطة التنفيذية، وهو ما يتوافق مع توصيات لجنة بازل في مبادئها الأساسية للرقابة الفعّالة (BIS Core Principles, 2012).

    خاتمة: الإصلاح المصرفي شرط السيادة الاقتصادية
    يقول المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبرغر في كتابه الكلاسيكي «الهوس والذعر والانهيارات» (Manias, Panics, and Crashes, 1978) إن الأزمات المالية الكبرى لا تنشأ فجأة، بل تنضج ببطء في رحم الإهمال المؤسسي وتنفجر حين تلتقي بصدمة خارجية. ما نشهده في السودان اليوم هو نتاج عقود من هذا الإهمال، تجلّى في الهوّة الهائلة بين الممارسة المصرفية المحلية والمعايير الدولية، وتجلّى أيضاً في غياب أي خطة احتياطية حين جاءت الصدمة الكبرى.
    والأخطر أن السودان يواجه اليوم معضلة مزدوجة لم تواجهها كثير من الدول التي نجحت في إعادة بناء نفسها بعد الصراعات — من رواندا إلى إندونيسيا: فإلى جانب الدمار الاقتصادي، يعاني من انقسام في السيادة المالية ذاتها. هذا يعني أن أي إصلاح مصرفي ناجح مشروط بتسوية سياسية شاملة تُعيد توحيد الإطار المؤسسي للدولة.
    الإصلاحات المطروحة في هذا المقال ليست رؤية مثالية بعيدة المنال، بل هي الحد الأدنى من الشروط اللازمة لإنقاذ اقتصاد يتداعى. الدولة التي لا تملك نظاماً مصرفياً مستقلاً وشفافاً ومنضبطاً دولياً لا تملك في الحقيقة سيادة اقتصادية كاملة.
    * عمر سيد أحمد: خبير مصرفي ومالي مستقل | o.sidahmed09@gmail.com
    المصادر والمراجع

    أولاً: التقارير الدولية الرسمية
    IMF (2020). Sudan: Selected Issues. IMF Country Report No. 20/73. Washington, DC: International Monetary Fund. [Article IV Consultation, February 2020]. https://www.elibrary.imf.org
    IMF–METAC (2025). Annual Report FY2025: IMF–Kingdom of Saudi Arabia Partnership on Capacity Development. Washington, DC: International Monetary Fund. [يتضمن إشارة إلى دعم السودان في تطوير قانون إدارة المالية العامة].
    World Bank (2025). Sudan Economic Update: The Economic and Social Consequences of the Conflict: Charting a Path to Recovery. Washington, DC: World Bank, May 2025. [يتضمن بيانات الانكماش الاقتصادي، التضخم، الفقر، البطالة، وتوصيات الإصلاح الهيكلي]. https://documents1.worldbank.org/curated/en/099051925180542315/pdf/P178527
    World Bank (2021). Global Findex Database 2021: Measuring Financial Inclusion and the Fintech Revolution. Washington, DC: World Bank Group. [بيانات الشمول المالي الإقليمية].
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (1988). International Convergence of Capital Measurement and Capital Standards (Basel I). Basel: Bank for International Settlements.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2004). International Convergence of Capital Measurement and Capital Standards: A Revised Framework (Basel II). Basel: BIS.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2010/2017). Basel III: A Global Regulatory Framework for More Resilient Banks and Banking Systems. Basel: BIS.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2012). Core Principles for Effective Banking Supervision. Basel: BIS. [المبادئ الأساسية للرقابة المصرفية الفعّالة — المبدأ الأول خاص باستقلالية جهة الإشراف].
    ثانياً: المصادر الحكومية والقانونية السودانية
    بنك السودان المركزي (2002). قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002 (معدلاً حتى 2012). المادة (54) بشأن امتلاك الأسهم؛ المادة (55) بشأن العمليات المحظورة. متاح على: https://cbos.gov.sd
    بنك السودان المركزي (2026). سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026: من الصمود إلى التعافي لبناء مستقبل مالي مرن. بورتسودان: بنك السودان المركزي. متاح على: https://cbos.gov.sd [يتضمن متطلبات رفع رأس المال وإعادة الهيكلة].
    بنك السودان المركزي (26 يناير 2026). تحذير رسمي من التعامل مع تطبيق مالي إلكتروني غير مرخص في مناطق جنوب دارفور. بيان رسمي. بورتسودان: بنك السودان المركزي.
    ثالثاً: التقارير التحقيقية والعقوبات الدولية
    U.S. Department of the Treasury – OFAC (January 31, 2024). Treasury Targets Entities Funding the Conflict in Sudan. Press Release. Washington, DC. [يتضمن تصنيف بنك الخليج وشركة زادنا الدولية]. https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2066
    Global Witness (2019, updated). Exposing the Financial Network Behind Hemedti’s RSF in Sudan. London: Global Witness. https://www.globalwitness.org
    The Sentry (February 2026). New Investigation Links Sudan’s RSF Leader to Property Holdings in the UAE. Washington, DC & London: The Sentry. https://thesentry.org
    رابعاً: الدراسات الأكاديمية المحكّمة
    Mustafa, A. et al. (2025). Effects of Civil Wars on the Financial Soundness of Banks: Evidence from Sudan Using Altman’s Models and Stress Testing. Journal of Risk and Financial Management (MDPI), Vol. 18, No. 9, August 2025. https://www.mdpi.com/1911-8074/18/9/476
    Kindleberger, C. P. (1978). Manias, Panics, and Crashes: A History of Financial Crises. New York: Basic Books. [الطبعة السادسة المنقحة صدرت 2011 بالاشتراك مع Aliber].
    خامساً: المصادر الصحفية والإعلامية الموثّقة
    سودان تريبيون (28 يناير 2026). «بنك السودان»: التعامل مع تطبيق الدعم السريع المالي يخالف القانون. https://sudantribune.net/article/309955
    سودان تريبيون (يناير 2026). حكومة «الدعم السريع» تعتزم تعيين وزير مالية وإنشاء نظام مصرفي. https://sudantribune.net/article/309126
    العربي الجديد (فبراير 2026). السودان… تطبيق مصرفي مشبوه في مناطق الدعم السريع. [تضمّن تصريحات الخبير المصرفي نجم الدين الطيب]. https://www.alaraby.co.uk
    دارفور 24 (26 أبريل 2026). أزمة سيولة في شرق دارفور.

    × ملاحظة منهجية: النسب الواردة أعلاه (40%، 45%، 15%) تقديرات تحليلية خبراتية لا أرقام رقابية رسمية، وتستند إلى: IMF Country Report (2020)، ودراسة MDPI/JRFM(أغسطس 2025)، وسياسات بنك السودان (2026)، إضافة إلى تقديرات الكاتب المبنية على متابعة ميدانية. وتبقى بحاجة إلى تحقق مستقل حين تتاح البيانات الرقابية الكاملة.
    يُجسّد تقرير البنك الدولي حول السودان (Sudan Economic Update, May 2025) الإطار الدولي الذي يرى فيه المراقبون هذا القطاع: فبينما يتوقع التقرير أن الاقتصاد السوداني لن يعود إلى مستويات ما قبل الحرب قبل عام 2031 في أفضل السيناريوهات، وربط البنك الدولي استئناف برامجه بتقييم شامل للقطاع المصرفي والقطاع الخاص — رسالةٌ واضحة بأن المؤسسات الدولية لا تضخ موارد في بيئات مالية تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستعداد المؤسسي. ومن التوصيات الجوهرية التي أوردها التقرير: توحيد سعر الصرف، وتفعيل إطار إدارة المالية العامة، و«إخراج الاقتصاد من قبضة المؤسسة العسكرية» كشرط لإطلاق إمكانات النمو وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة.

    سادساً: خريطة طريق الإصلاح — ثلاثة مسارات متوازية
    في ظل هذا الواقع المعقد — حرب لم تنتهِ، وانقسام مالي، وانهيار الجنيه، وتآكل رأس المال — لا يمكن الاكتفاء بخطة إصلاح مصرفي كلاسيكية. تستلزم المرحلة ثلاثة مسارات تُنفَّذ بالتوازي، لا بالتسلسل، وفق ما تُرسيه أفضل الممارسات الدولية في إعادة بناء الأنظمة المصرفية ما بعد النزاع (IMF, Fiscal Affairs Department, 2022؛ World Bank, Financial Sector Assessment Program):

    المسار الأول — الإنقاذ العاجل (خلال أول 12 شهراً بعد وقف النار):
    تصفية شهادات شهامة تدريجياً واستعادة أدوات السياسة النقدية الكلاسيكية. تسوية التزامات البنك المركزي تجاه البنوك لتخفيف أزمة السيولة. إعادة الرسملة الطارئة للبنوك القادرة على البقاء بمعادل الدولار لا الجنيه — مع التأكيد على أن طرح زيادة رأس المال وفق الأسلوب التقليدي ذاته الذي كان سائداً قبل الحرب لا يكفي وحده؛ إذ ينبغي أن يصحب هذا الإجراء متطلبات حاسمة وواضحة: أن يُقدّم كل بنك خطةً ملزمة لزيادة رأسماله سواء عبر استدعاء المساهمين القدامى أو استقطاب مساهمين جدد أو تسييل أصوله الثابتة أو شبه الثابتة، على أن تستبعد هذه الخطة أي اعتماد على أرباح أعمال مستقبلية متوقعة — إذ يتعذر التنبؤ بحجم الأعمال في ظل الوضع الاقتصادي والمالي المضطرب لما بعد الحرب. وفي حال عجز أي بنك عن استيفاء هذا الشرط خلال المهلة المحددة، يُخضَع وجوباً للاندماج مع مصرف آخر استوفى شروط التعافي وفق التوجيهات الرقابية. ذلك أن إبقاء الباب موارباً في انتظار انقضاء فترة زيادة رأس المال دون قرار حاسم ينطوي على ضعف في منهجية الإشراف، ولا يُفضي إلى حل ناجع في المدى القصير أو المتوسط الذي تستلزمه خطورة المشكلة — لا سيما أن معظم البنوك تحتاج أصلاً إلى مدة مطوّلة لإعادة تأهيل فروعها وإعادة فتحها في ولاية الخرطوم، وهو ما يتناقض تناقضاً صريحاً مع المضي في مسار زيادة رأس المال في ظل شُح الموارد. إطلاق مسح ميداني شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي — مركز METAC للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. معالجة الانقسام المالي عبر إعادة ضخ الفئات النقدية الجديدة إلى غرب السودان كشرط في أي تسوية، وإلغاء الأنظمة المالية الموازية غير المرخصة.
    المسار الثاني — الامتثال ببازل 2 (3–5 سنوات):
    رفع الحد الأدنى لرأس المال إلى ما يعادل 50 مليون دولار محسوباً بسعر السوق. دمج البنوك من 37 إلى 10–12 مصرفاً قادراً. فرض نسبة كفاية رأس مال لا تقل عن 8% بالمعادل الدولاري لا الجنيهي. تطوير أنظمة تصنيف المخاطر الداخلية (IRB Approach) وفق ركيزة بازل 2 الأولى. اعتماد معايير الإفصاح والشفافية وفق الركيزة الثالثة. بناء قاعدة بيانات ائتمانية مركزية. الانضمام الكامل لمتطلبات مجموعة FATF— شرط جوهري للخروج من القوائم الرمادية وإعادة الاندماج في نظام SWIFT.
    المسار الثالث — التحول نحو بازل 3 والرقمنة (6–10 سنوات):
    تطبيق نسبة تغطية السيولة (LCR) وصافي التمويل المستقر (NSFR). بناء احتياطيات رأس مال مضادة للتقلبات الدورية (Countercyclical Buffer). تطوير اختبارات الضغط (Stress Testing) الدورية. تبني معيار IFRS 9 للأدوات المالية. منح رخص لبنوك رقمية بالكامل تخدم الريف والمغتربين على غرار M-Pesa (كينيا) وبنك الهاتف في رواندا. إصلاح بنك السودان المركزي هيكلياً بإلغاء قانون 2002 وإخضاع تقاريره للبرلمان لا للسلطة التنفيذية، وهو ما يتوافق مع توصيات لجنة بازل في مبادئها الأساسية للرقابة الفعّالة (BIS Core Principles, 2012).

    خاتمة: الإصلاح المصرفي شرط السيادة الاقتصادية
    يقول المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبرغر في كتابه الكلاسيكي «الهوس والذعر والانهيارات» (Manias, Panics, and Crashes, 1978) إن الأزمات المالية الكبرى لا تنشأ فجأة، بل تنضج ببطء في رحم الإهمال المؤسسي وتنفجر حين تلتقي بصدمة خارجية. ما نشهده في السودان اليوم هو نتاج عقود من هذا الإهمال، تجلّى في الهوّة الهائلة بين الممارسة المصرفية المحلية والمعايير الدولية، وتجلّى أيضاً في غياب أي خطة احتياطية حين جاءت الصدمة الكبرى.
    والأخطر أن السودان يواجه اليوم معضلة مزدوجة لم تواجهها كثير من الدول التي نجحت في إعادة بناء نفسها بعد الصراعات — من رواندا إلى إندونيسيا: فإلى جانب الدمار الاقتصادي، يعاني من انقسام في السيادة المالية ذاتها. هذا يعني أن أي إصلاح مصرفي ناجح مشروط بتسوية سياسية شاملة تُعيد توحيد الإطار المؤسسي للدولة.
    الإصلاحات المطروحة في هذا المقال ليست رؤية مثالية بعيدة المنال، بل هي الحد الأدنى من الشروط اللازمة لإنقاذ اقتصاد يتداعى. الدولة التي لا تملك نظاماً مصرفياً مستقلاً وشفافاً ومنضبطاً دولياً لا تملك في الحقيقة سيادة اقتصادية كاملة.
    * عمر سيد أحمد: خبير مصرفي ومالي مستقل | o.sidahmed09@gmail.com
    المصادر والمراجع

    أولاً: التقارير الدولية الرسمية
    IMF (2020). Sudan: Selected Issues. IMF Country Report No. 20/73. Washington, DC: International Monetary Fund. [Article IV Consultation, February 2020]. https://www.elibrary.imf.org
    IMF–METAC (2025). Annual Report FY2025: IMF–Kingdom of Saudi Arabia Partnership on Capacity Development. Washington, DC: International Monetary Fund. [يتضمن إشارة إلى دعم السودان في تطوير قانون إدارة المالية العامة].
    World Bank (2025). Sudan Economic Update: The Economic and Social Consequences of the Conflict: Charting a Path to Recovery. Washington, DC: World Bank, May 2025. [يتضمن بيانات الانكماش الاقتصادي، التضخم، الفقر، البطالة، وتوصيات الإصلاح الهيكلي]. https://documents1.worldbank.org/curated/en/099051925180542315/pdf/P178527
    World Bank (2021). Global Findex Database 2021: Measuring Financial Inclusion and the Fintech Revolution. Washington, DC: World Bank Group. [بيانات الشمول المالي الإقليمية].
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (1988). International Convergence of Capital Measurement and Capital Standards (Basel I). Basel: Bank for International Settlements.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2004). International Convergence of Capital Measurement and Capital Standards: A Revised Framework (Basel II). Basel: BIS.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2010/2017). Basel III: A Global Regulatory Framework for More Resilient Banks and Banking Systems. Basel: BIS.
    Basel Committee on Banking Supervision – BIS (2012). Core Principles for Effective Banking Supervision. Basel: BIS. [المبادئ الأساسية للرقابة المصرفية الفعّالة — المبدأ الأول خاص باستقلالية جهة الإشراف].
    ثانياً: المصادر الحكومية والقانونية السودانية
    بنك السودان المركزي (2002). قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002 (معدلاً حتى 2012). المادة (54) بشأن امتلاك الأسهم؛ المادة (55) بشأن العمليات المحظورة. متاح على: https://cbos.gov.sd
    بنك السودان المركزي (2026). سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026: من الصمود إلى التعافي لبناء مستقبل مالي مرن. بورتسودان: بنك السودان المركزي. متاح على: https://cbos.gov.sd [يتضمن متطلبات رفع رأس المال وإعادة الهيكلة].
    بنك السودان المركزي (26 يناير 2026). تحذير رسمي من التعامل مع تطبيق مالي إلكتروني غير مرخص في مناطق جنوب دارفور. بيان رسمي. بورتسودان: بنك السودان المركزي.
    ثالثاً: التقارير التحقيقية والعقوبات الدولية
    U.S. Department of the Treasury – OFAC (January 31, 2024). Treasury Targets Entities Funding the Conflict in Sudan. Press Release. Washington, DC. [يتضمن تصنيف بنك الخليج وشركة زادنا الدولية]. https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2066
    Global Witness (2019, updated). Exposing the Financial Network Behind Hemedti’s RSF in Sudan. London: Global Witness. https://www.globalwitness.org
    The Sentry (February 2026). New Investigation Links Sudan’s RSF Leader to Property Holdings in the UAE. Washington, DC & London: The Sentry. https://thesentry.org
    رابعاً: الدراسات الأكاديمية المحكّمة
    Mustafa, A. et al. (2025). Effects of Civil Wars on the Financial Soundness of Banks: Evidence from Sudan Using Altman’s Models and Stress Testing. Journal of Risk and Financial Management (MDPI), Vol. 18, No. 9, August 2025. https://www.mdpi.com/1911-8074/18/9/476
    Kindleberger, C. P. (1978). Manias, Panics, and Crashes: A History of Financial Crises. New York: Basic Books. [الطبعة السادسة المنقحة صدرت 2011 بالاشتراك مع Aliber].
    خامساً: المصادر الصحفية والإعلامية الموثّقة
    سودان تريبيون (28 يناير 2026). «بنك السودان»: التعامل مع تطبيق الدعم السريع المالي يخالف القانون. https://sudantribune.net/article/309955
    سودان تريبيون (يناير 2026). حكومة «الدعم السريع» تعتزم تعيين وزير مالية وإنشاء نظام مصرفي. https://sudantribune.net/article/309126
    العربي الجديد (فبراير 2026). السودان… تطبيق مصرفي مشبوه في مناطق الدعم السريع. [تضمّن تصريحات الخبير المصرفي نجم الدين الطيب]. https://www.alaraby.co.uk
    دارفور 24 (26 أبريل 2026). أزمة سيولة في شرق دارفور بعد تحديد نسبة خصم التحويلات. https://darfur24.com
    أخبار السودان (27 أبريل 2026). ارتفاع جنوني.. سعر الدولار في السوق الموازي. [رصد يومي لأسعار الصرف]. https://www.sudanakhbar.com
    شبكة أتر (يناير 2026). السياسة النقدية لبنك السودان المركزي 2026: بين الواقع والالتزامات المعلنة. [تضمّن آراء خبراء اقتصاديين وتقييم سياسات 2026]. https://atarnetwork.com
    صحيفة الظهيرة (أبريل 2026). البنك الزراعي السوداني يطلق حزمة تمويلية وإصلاحات مؤسسية.