اختلال التلازم بين السلطة والمسؤولية في حكومة عبد الله حمدوك

  • بتاريخ : 3 مايو، 2026 - 11:17 ص
  • الزيارات : 12
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “محام- كاتب – مستشار قانوني”

    في التجارب الانتقالية التي تمر بها الدول بعد التحولات الكبرى، لا تكون الإشكالية الأساسية في وجود النصوص الدستورية من عدمها، بل في قدرتها على الصمود أمام واقع سياسي متحرك ومعقد. فغالبًا ما تُكتب الدساتير الانتقالية بروح تأسيسية مثالية، تفترض وجود مؤسسات مستقرة، وحدود واضحة للسلطة، ومبدأ محاسبة فعال. لكن الواقع، في لحظات الانتقال، يكون أبعد ما يكون عن هذه الفرضيات.

    ومن بين أكثر الإشكالات التي تتكرر في مثل هذه السياقات، تلك المتعلقة بعلاقة السلطة بالمسؤولية: من يملك القرار؟ ومن يُسأل عنه؟ وهل تتطابق السلطة الفعلية مع المسؤولية الدستورية أم تنفصل عنها تحت ضغط التوازنات السياسية؟

    في الحالة السودانية، برز هذا الإشكال بوضوح خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة السودانية 2018–2019، والتي أفرزت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019 بوصفها الإطار الحاكم للمرحلة.

    كان التصور النظري لهذه الوثيقة يقوم على إنشاء سلطة تنفيذية يقودها رئيس وزراء مدني، يمتلك سلطة كاملة في إدارة الجهاز التنفيذي، ويُسأل في المقابل عن نتائجه.

    لم تكن الإشكالية في تجربة حكومة حمدوك ناتجة عن غياب نص دستوري واضح، بل عن الطريقة التي جرى بها توزيع السلطة داخل هذا النص، وكيف انتقلت من مستوى الاختصاص المؤسسي إلى مستوى التوافق السياسي.

    فحين وُضعت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019، بدا أن المشرّع الانتقالي أراد أن يؤسس لحكومة مدنية يقودها رئيس وزراء يتمتع بسلطة كاملة في إدارة الجهاز التنفيذي، ويُسأل في المقابل عن نتائجه. غير أن هذا التلازم بين السلطة والمسؤولية لم يتحقق فعليًا بالشكل الذي افترضه النص.

    في التصميم الدستوري، يكون رئيس الوزراء هو صاحب السلطة التنفيذية المباشرة، بما في ذلك اختيار الوزراء وتشكيل مجلسه التنفيذي، بينما يتولى مجلس السيادة الانتقالي وظيفة الاعتماد والرقابة السيادية في إطار شراكة انتقالية. غير أن هذا التقسيم النظري سرعان ما تداخل مع واقع سياسي أكثر تعقيدًا، حيث لم تكن السلطة موزعة فقط بين مؤسسات دستورية، بل أيضًا بين قوى سياسية غير منصوص عليها بصورة مباشرة في بنية الحكم.

    فقد لعبت قوى إعلان الحرية والتغيير دورًا محوريًا في عملية الترشيح والتوجيه السياسي، ما جعل تشكيل الحكومة أقرب إلى عملية تفاوض سياسي مستمر، لا إلى ممارسة اختصاص تنفيذي خالص. وبذلك، أصبح رئيس الوزراء في موقع مزدوج: مسؤول دستوريًا عن الأداء، لكنه غير منفرد بالقرار في أهم أدوات هذا الأداء، وهي اختيار الفريق التنفيذي.

    ومع تطور التجربة، خاصة بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام 2020 ، تعمّق هذا التداخل أكثر. فقد دخلت قوى جديدة إلى بنية السلطة التنفيذية، وأصبحت الحقائب الوزارية موزعة عبر مراكز ترشيح متعددة، لكل منها وزن سياسي ومطلب تفاوضي.

    وهكذا، تقلصت المساحة الفعلية لسلطة رئيس الوزراء في تشكيل حكومته، وتحول دوره تدريجيًا من صاحب قرار إلى منسق بين قوائم متوازية المصالح.

    هذا الوضع أنتج اختلالًا واضحًا في مبدأ التلازم بين السلطة والمسؤولية. فالمسؤولية السياسية ظلت مركزة في شخص رئيس الوزراء بوصفه رأس السلطة التنفيذية، في حين أن السلطة الفعلية في تشكيل الحكومة كانت موزعة بين أطراف متعددة.

    ووفقًا للمنطق الدستوري المستقر، لا يمكن تحميل المسؤولية الكاملة لمن لا يملك أدوات القرار الكاملة، لأن ذلك يؤدي إلى خلل في آلية المحاسبة ذاتها.

    في التطبيق العملي، كان رئيس الوزراء أمام حكومة لا تُبنى بإرادته المنفردة، بل عبر توازنات سياسية معقدة، تبدأ من الحاضنة الانتقالية ولا تنتهي عند ترتيبات ما بعد السلام. وقد جعل ذلك من موقعه موقعًا مركبًا: مسؤولًا أمام الشعب والتاريخ عن أداء الحكومة، لكنه مقيد في القدرة على تشكيلها وفق رؤية تنفيذية خالصة.

    وفي ظل هذا البناء المعقد للسلطة، كان أمام رئيس الوزراء، من زاوية الفقه الدستوري، خياران نظريان: إما التمسك بصلاحياته الدستورية ومحاولة الدفع نحو تشكيل حكومة ذات طابع تقنوقراطي يحد من تأثير الاصطفافات السياسية على الأداء التنفيذي، أو القبول بقيود التوازنات السياسية كما هي، بما يفرضه ذلك من إعادة تعريف لدوره التنفيذي داخل منظومة غير مكتملة الاستقلال المؤسسي.

    غير أن هذا الخيار النظري ظل محكومًا بواقع لا يسمح بالانفصال التام بين الاعتبار الفني والاعتبار السياسي، ما جعل ممارسة السلطة نفسها عملية تفاوض مستمرة وليست قرارًا أحاديًا خالصًا.

    لقد أفرزت التجربة الانتقالية، في جانبها التنفيذي، إشكالًا إضافيًا مرتبطًا بجودة الاختيار السياسي والفني للوزراء. إذ بدا أن منطق التوازنات والمحاصصات، الذي حكم عملية تشكيل الحكومة، قد طغى في بعض المراحل على معيار الكفاءة الخالصة، وعلى الاعتبار المتصل بالمصلحة الوطنية العليا. وبدل أن تكون لحظة الانتقال امتدادًا طبيعيًا لزخم الثورة السودانية 2018–2019 في إنتاج إدارة تنفيذية تعكس حجم تطلعاتها، اتجهت عملية الاختيار في كثير من الأحيان نحو إعادة توزيع سياسي للمواقع، أكثر من كونها بناءً تقنوقراطيًا صارمًا قائمًا على معيار الجدارة.

    هذا الانزياح، حين يُقرأ في سياقه الدستوري، لا يمكن فصله عن بنية السلطة ذاتها التي أفرزتها الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019، حيث تداخلت الاعتبارات السياسية مع مقتضيات الإدارة التنفيذية، في ظل نظام لم يكتمل فيه بعد الفصل الصارم بين منطق التمثيل السياسي ومنطق الكفاءة الإدارية.

    وبذلك، لم يكن الإشكال في الأفراد بقدر ما كان في البيئة التي تشكلت فيها عملية الاختيار، حيث أثّر منطق الشراكة والمحاصصة على إمكانية إنتاج حكومة تعكس بصورة كاملة طموح التحول الذي أفرزته الثورة، وهو ما أضاف بعدًا آخر لاختلال التلازم بين السلطة والمسؤولية داخل التجربة الانتقالية.

    في النهاية، لا يمكن النظر إلى تجربة حكومة حمدوك باعتبارها خروجًا على النص، بل باعتبارها تطبيقًا لنص وُضع في بيئة سياسية لم تكن قد استقرت بعد. ومن هنا نشأ الاختلال: سلطة موزعة بين أطراف متعددة، ومسؤولية مركزة في موقع واحد. وهو اختلال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق ببنية الانتقال نفسها، وبمحاولة بناء دولة حديثة بأدوات تسوية سياسية في لحظة ما زالت فيها الدولة تبحث عن شكلها النهائي.