دولة القانون || د. عبد العظيم حسن
المحامي
لا يقتصر دور القضاء الدستوري على الرقابة على دستورية القوانين وصون الحقوق الأساسية والحريات العامة، بل يمتد إلى وظيفة أكثر عمقاً تتمثل في حماية الاستقرار السياسي ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات تهدد كيان الدولة. فحين يؤدي القضاء الدستوري رسالته بشجاعة واستقلالية، يصبح صمام أمان للتداول السلمي للسلطة، ويغلق أبواب المغامرات السياسية التي كثيراً ما تنتهي بالحروب والانقسامات. وفي السودان، وبعد أن بدأ المشروع الحضاري في التآكل من الداخل واحتدم الصراع داخل المؤتمر الوطني وانقسامه إلى شعبي ووطني، كان بوسع المحكمة الدستورية أن تلعب دوراً وطنياً حاسماً، فتُلحق أهل السياسة بحكم الدستور قبل أن يلحقوا الوطن بخراب الحرب التي ما زالت تدفع البلاد ثمنها حتى اليوم.
وأستعيد هنا مقابلة جمعتني والأستاذ علي قيلوب بالأستاذ عثمان الشريف، بصفته المسؤول الأول عن آخر نقابة للمحامين قبل حلها بموجب قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين. يومها اقترحنا أن تتبنى النقابة باسمه، طعناً دستورياً ضد تعديل النظام الأساسي للحزب وأي تعديل دستوري يفتح الباب أمام ترشح الرئيس المخلوع عمر البشير لولاية جديدة. غير أن الأستاذ عثمان الشريف اعتذر، مبرراً موقفه بأن الحزب سيرفض هذه الخطوة، وأنه لا يرغب في خوض مواجهة خاسرة معه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كان قبول نقابة المحامين بهذا المسار سيغيّر النتيجة؟ على الأرجح لا. فالمؤتمر الوطني في سنواته الأخيرة لم يكن مستعداً لمواجهة الدكتاتور أو الإقرار بفشل مشروعه، كما لم يكن مؤمناً بالتداول السلمي للسلطة. وفي المقابل، لم يكن القضاء الدستوري في السودان قد بلغ من الاستقلال والقوة المؤسسية ما يؤهله لفرض سيادة الدستور على إرادة السلطة. وهكذا ضاعت فرصة أخرى كان يمكن أن تُنقذ الوطن قبل أن تتكلم البنادق حيث صمت الدستور، ونواصل.











إرسال تعليق