بقلم: الطيب مضوي شيقوق / المحامي
ليس هناك جهاز إداري معصوم من الخطأ، فالقرارات الإدارية تصدرها مؤسسات بشرية قد تصيب وقد تخطئ. لكن الفرق بين الدولة الحديثة والدولة المتعثرة لا يكمن في وقوع الخطأ من عدمه، وإنما في كيفية التعامل معه عند وقوعه، وفي مدى استعداد الدولة لتحمل مسؤولية نتائج قراراتها إذا ثبت أنها ألحقت الضرر بالمواطنين.
كثيراً ما تصدر السلطات الإدارية قرارات تمس مصالح الأفراد والشركات، كإلغاء تراخيص، أو سحب أراضٍ، أو إيقاف أنشطة اقتصادية، أو فرض رسوم وقيود جديدة، أو إصدار قرارات تنظيمية تتبين لاحقاً عدم مشروعيتها أو افتقارها إلى الدراسة الكافية. وفي مثل هذه الحالات يثور سؤال جوهري:
إذا أخطأت الإدارة، فمن يدفع الثمن؟
في الدول التي تحترم سيادة القانون، لا يقف المواطن عاجزاً أمام القرار الإداري الخاطئ، بل يملك حق الطعن فيه أمام القضاء، كما يملك حق المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابته متى ثبت أن القرار كان غير مشروع أو مشوباً بعيب من عيوب المشروعية.
لقد تطور الفكر القانوني عبر العقود من فكرة حصانة الدولة إلى مبدأ مسؤوليتها. فالدولة ليست فوق القانون، بل هي أول من يخضع له. وإذا كان الموظف العام يمارس سلطاته باسم الدولة، فإن الدولة تتحمل تبعة الأخطاء التي تقع أثناء ممارسة تلك السلطات وفقاً للضوابط التي يحددها القانون.
وتقوم المسؤولية الإدارية عادة على ثلاثة أركان أساسية:
أولها: وقوع خطأ من جهة الإدارة.
وثانيها: تحقق ضرر فعلي يصيب الفرد أو المؤسسة.
وثالثها: وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر.
فإذا توافرت هذه الأركان، أصبح التعويض حقاً مشروعاً للمتضرر، وليس منحة أو تفضلاً من جهة الإدارة.
ومن المؤسف أن بعض الأجهزة الحكومية في عالمنا العربي ما زالت تتعامل مع الاعتراف بالخطأ وكأنه هزيمة، بينما الحقيقة أن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه يمثلان قمة القوة المؤسسية والنضج الإداري.
فالخطأ الإداري ليس كارثة إذا تم تداركه، لكنه يتحول إلى كارثة حقيقية عندما تُصر الجهات المختصة على الدفاع عنه رغم وضوح آثاره السلبية.
وفي كثير من الأحيان لا تكون الخسائر التي يتكبدها المواطن مالية فقط، بل قد تمتد إلى ضياع فرص استثمارية، أو تعطيل مشاريع، أو فقدان وظائف، أو تشويه سمعة تجارية بُنيت عبر سنوات طويلة من العمل.
وهنا يبرز دور القضاء الإداري بوصفه الحارس الطبيعي لمبدأ المشروعية، والضامن للتوازن بين سلطات الدولة وحقوق الأفراد. فكلما كان القضاء مستقلاً وقوياً، ازدادت ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتراجعت فرص التعسف والانحراف في استعمال السلطة.
إن الدولة التي لا تحاسب نفسها على أخطائها تفتح الباب لفقدان الثقة بينها وبين مواطنيها. أما الدولة التي تعترف بالخطأ، وتصححه، وتعوض المتضررين عنه، فإنها تؤسس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل وسيادة القانون.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً في أذهان صناع القرار هو:
إذا كان المواطن مسؤولاً عن أخطائه أمام الدولة، أفلا تكون الدولة مسؤولة عن أخطائها أمام المواطن؟
ذلك هو جوهر العدالة، وذلك هو المعنى الحقيقي لدولة القانون والمؤسسات.











إرسال تعليق