بقلم/ الطيب مضوي شيقوق / المحامي
ليس أشد قسوة على الأمم من أن تعجز عن تشخيص علّتها. فالأخطاء مهما عظمت يمكن إصلاحها، والهزائم مهما تكررت يمكن تجاوزها، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يتحول الفشل إلى عادة، وحين يصبح الإخفاق جزءًا من ثقافة النخب التي تتصدر المشهد وتحتكر القرار.
نعم، نحن النخبة التي أدمنت الفشل.
ولسنا أول شعب يمر بالأزمات، ولا أول وطن تعصف به الحروب والانقسامات، لكن الفرق بين الأمم يكمن في قدرة نخبها على التعلم من التجارب واستخلاص العبر. أما نحن، فكثيرًا ما نكرر الأخطاء نفسها، ونسلك الطرق ذاتها التي أوصلتنا إلى المآلات نفسها، ثم نتعجب من تكرار النتائج.
منذ عقود طويلة ونحن ندور في الحلقة المفرغة ذاتها. تتغير الحكومات، وتتبدل الشعارات، وتتداول النخب المواقع والمقاعد، لكن الوطن يظل يدفع الثمن. وكلما وقعت الكارثة انشغلنا بالبحث عن المذنب، بينما كان الأجدر بنا أن نبحث عن الحل. وكلما ضاعت فرصة تاريخية أسرعنا إلى تبرير ضياعها بدلاً من الاعتراف بالتقصير.
لقد برعت نخبنا في صناعة الخلاف أكثر مما برعت في بناء الوفاق، وأحسنت إدارة الصراع أكثر مما أحسنت إدارة الدولة. تُكثر من إصدار البيانات والتصريحات، لكنها تعجز عن صياغة مشروع وطني يجمع الناس حوله. تتقن توزيع الاتهامات وتبادل الشكوك، لكنها تفتقر إلى ثقافة الحوار والبحث عن المشتركات. ترفع راية الوطن في الخطب والندوات، غير أن حسابات المصالح الضيقة كثيرًا ما تتقدم عندها على المصلحة الوطنية العليا.
والمؤلم أن كثيرًا من نخبنا لا تزال تنظر إلى السياسة باعتبارها معركة كسر عظم، لا باعتبارها وسيلة لإدارة التنوع وتحقيق التوافق. فأصبح الانتصار الحزبي في كثير من الأحيان بديلاً عن النجاح الوطني، وغلبت حسابات المكاسب الآنية على متطلبات البناء طويل الأمد. وتحول الخصم السياسي في نظر البعض إلى عدو ينبغي إقصاؤه، لا شريك في وطن تتسع أرضه للجميع وتتشابك مصالح أبنائه في الحاضر والمستقبل.
لقد قيل إن الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتتوقع نتائج مختلفة. ونحن، مع الأسف، نمارس هذا الجنون السياسي منذ سنوات طويلة. نكرر الأساليب نفسها، وننتج الأزمات نفسها، ثم ننتظر مستقبلاً مختلفاً.
ولعل أخطر ما أصابنا ليس الفشل في حد ذاته، وإنما التعايش معه حتى أصبح أمراً عادياً. صرنا نستقبل الأخبار السيئة ببرود، وننظر إلى انهيار المؤسسات وكأنه قدر محتوم، ونتعامل مع تراجع الاقتصاد وتدهور الخدمات وهجرة الكفاءات وكأنها ظواهر طبيعية لا تستحق التوقف عندها.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن الأوطان لا تنهار بسبب قلة مواردها، وإنما بسبب سوء إدارتها. والسودان لم يكن يوماً بلداً فقيراً في موارده أو محدوداً في إمكاناته. فقد حباه الله أرضاً واسعة، ومياهاً وفيرة، وثروات متنوعة، وشعباً عرف بالذكاء والصبر والإبداع. غير أن هذه النعم كلها ظلت رهينة لعجز النخب عن إدارة الاختلاف وتحويل التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للصراع.
إن النخبة الحقيقية ليست التي تتقن الخطابة، ولا التي تجيد الظهور في المنابر والفضائيات، وإنما التي تمتلك شجاعة النقد الذاتي والقدرة على مراجعة المواقف والاعتراف بالأخطاء. فالأمم لا تنهض بالمعصومين، وإنما تنهض بالذين يتعلمون من عثراتهم ويحولون هزائمهم إلى دروس للمستقبل.
وربما يكون بصيص الأمل الوحيد في هذه اللحظة القاسية هو أن كثيراً من أبناء الوطن بدأوا يدركون حجم الأزمة، وأن الأصوات الداعية إلى العقل والحوار والتوافق أصبحت أكثر حضوراً من ذي قبل. فليس عيباً أن نخطئ، ولكن العيب أن نصر على الخطأ بعد أن تتكشف نتائجه أمام أعيننا.
إن السودان يحتاج اليوم إلى نخبة جديدة في التفكير وإن كانت من الوجوه نفسها؛ نخبة تضع الوطن قبل الحزب، والمستقبل قبل المكاسب الآنية، والمصلحة العامة فوق المصالح الخاصة. يحتاج إلى عقلية تؤمن بأن بناء الأوطان لا يتم بالإقصاء ولا بالانتقام ولا بالاستحواذ، وإنما بالتوافق والعدل وسيادة القانون.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل نملك الشجاعة للاعتراف بأننا أخطأنا؟
فذلك الاعتراف ليس إدانة للنفس، بل هو الخطوة الأولى نحو الخلاص. أما الاستمرار في المكابرة وتبادل الاتهامات فلن ينتج إلا مزيداً من الضياع.
إن الأوطان لا تموت حين تخطئ نخبها، وإنما تموت حين يتحول الخطأ إلى منهج، والفشل إلى عادة، والعبرة إلى مجرد ذكرى لا يتعلم منها أحد.
فهل آن الأوان لأن نتوقف عن إدمان الفشل؟
لقد دفع الوطن ما يكفي من ثمن أخطائنا… وحان الوقت لأن نتعلم.











إرسال تعليق