المجتمع المؤسس لا المجتمع التابع (5)

  • بتاريخ : 14 مايو، 2026 - 12:51 م
  • الزيارات : 4
  •  

    بقلم /د.حيدرمعتصم مدني
    مدير / مركز الخرطوم للحوار

    من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها التجربة السودانية الحديثة أن السياسة حاولت دائمًا أن تتصرف وكأن المجتمع مجرد تابع لها، لا أصل سابق عليها.
    فأصبحت الأحزاب والتيارات تتعامل مع المجتمع باعتباره:

    كتلة للتعبئة،

    أو مخزونًا انتخابيًا،

    أو وقودًا للصراع،

    أو جمهورًا للتصفيق والهتاف.

    بينما الحقيقة الأعمق في بناء الدول تقول: إن المجتمع ليس تابعًا للسياسة… بل السياسة نفسها وظيفة داخل المجتمع.
    وهنا يبدأ الفرق بين:

    المجتمع المؤسس،

    والمجتمع التابع.

    *ما هو المجتمع المؤسس؟*
    المجتمع المؤسس هو المجتمع الذي:

    يمتلك وعيًا بذاته،

    وينظم مصالحه،

    ويبني مؤسساته،

    ويحدد أولوياته،

    ويضع المرجعيات العليا التي تتحرك السياسة داخلها لا فوقها.

    *أي أنه المجتمع الذي ينتج:*

    الدولة،

    والسياسة،

    والسلطة، ولا يُختزل فيها.

    ففي التجارب المستقرة، لا تُبنى الدول أولًا عبر الصراع على الحكم، بل عبر وجود مجتمع قادر على:

    إنتاج التوازن،

    وحماية مصالحه العليا،

    ومنع السياسة من التحول إلى حالة افتراس دائم.

    *المشكلة السودانية:*
    السياسة سبقت المجتمع
    في السودان، نشأت الدولة الحديثة قبل اكتمال بناء المجال المجتمعي الوطني الجامع.
    فدخلت السياسة مبكرًا إلى:

    القبيلة،

    والطائفة،

    والإثنية،

    والنقابة،

    والجهة،

    وحتى الهوية الثقافية والدينية.

    وبدل أن تُبنى السياسة فوق مجتمع متماسك، أصبحت السياسة نفسها أداة لإعادة تشكيل المجتمع وفق الاستقطابات المختلفة.
    ولهذا ظل السودان يعيش حالة: “مجتمع لم يكتمل تشكله الوطني بعد، لكن السياسة استهلكته مبكرًا.”
    *الفرق بين المجتمع القائد* *والمجتمع المستهلك*

    المجتمع القائد:
    يفرض على السياسة حدودها،
    ويمنع اختطاف الدولة،ويحافظ على المصالح العليا،ويُنتج مؤسسات مستقلة.
    أما المجتمع المستهلك سياسيًا، فتصبح أولوياته نفسها رهينة للاستقطاب.فتتغير مواقفه:

    مع الشعار،

    والهتاف،

    والخطاب التعبوي،

    لا وفق مصلحة وطنية مستقرة.
    وهنا تفقد الدولة بوصلتها، لأن السياسة لم تعد تتحرك داخل مرجعية مجتمعية ثابتة.
    *لماذا تفشل السياسة حين* *تحاول قيادة المجتمع؟*
    لأن السياسة بطبيعتها:

    متغيرة،

    وتنافسية،

    وصراعية،

    ومؤقتة.

    بينما المجتمع يحتاج إلى:

    الاستقرار،

    والتراكم،

    والتوازن،

    والاستمرارية.
    فإذا أصبحت السياسة هي المرجعية العليا للمجتمع، تحول كل اختلاف إلى معركة، وكل انتخابات إلى تهديد وجودي، وكل انتقال سلطة إلى احتمال انهيار.
    وهذا ما حدث مرارًا في السودان.
    *المجتمع هو الحاضنة* *الحقيقية للدولة*
    الدولة لا تعيش فقط بالمؤسسات الرسمية، بل تعيش بوجود مجتمع:

    يؤمن بفكرة الدولة،

    ويحمي المجال العام،

    ويُنتج ثقافة التعايش،

    ويفرق بين الخلاف والصراع،

    وبين المعارضة والهدم.

    ولهذا فإن قوة الدولة ليست فقط في سلطتها… بل في نضج مجتمعها.
    فالدولة التي تملك جيشًا قويًا ومؤسسات كبيرة، لكن مجتمعها هش وممزق ومستقطب، تبقى دولة قابلة للاهتزاز.
    *السودان يحتاج إلى إعادة* *ترتيب العلاقة*
    السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون اليوم ليس فقط:
    “من يحكم؟”
    بل:
    “ما المرجعية التي تحكم الجميع أصلًا؟”
    هل المرجعية هي:

    الحزب؟

    الأيديولوجيا؟

    الطائفة؟

    الجهة؟

    التحالف السياسي؟
    أم:
    المجتمع،والمصلحة الوطنية العليا،والعقد الاجتماعي الجامع؟
    لأن غياب هذه المرجعية هو ما جعل السياسة السودانية تتحول إلى صراع مفتوح بلا سقف.

    *المجتمع المؤسس يبدأ من* *الوعي*
    ولا يُقصد هنا الوعي السياسي الضيق، بل الوعي المجتمعي العميق الذي يجعل الناس تدرك: أن الدولة ليست غنيمة، وأن السياسة ليست حربًا، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن المصلحة الوطنية أعلى من الاصطفاف المؤقت.
    وهذا النوع من الوعي لا يُبنى بالشعارات، بل بالتراكم:

    الثقافي،

    والتعليمي،

    والإعلامي،

    والمؤسسي.

    *معركة السودان الحقيقية:*

    إعادة بناء المجتمع قبل إعادة توزيع السلطة
    لأن أي سلطة جديدة ستعيد إنتاج الأزمة نفسها، إذا ظل المجتمع:
    هشًا،
    ومستقطبًا،
    وتابعًا للصراع السياسي.
    ولهذا ربما يكون المدخل الحقيقي لبناء السودان ليس: “من يصل إلى الحكم؟” بل: “كيف نبني مجتمعًا لا تستطيع السياسة ابتلاعه مرة أخرى؟”
    وهذه هي نقطة التحول الكبرى بين:
    مشروع يبحث عن سلطة،
    ومشروع يبحث عن دولة.