مطلوب المحاسبة… فلا كبير على القانون

  • بتاريخ : 5 مايو، 2026 - 1:34 م
  • الزيارات : 11
  • الصفر البارد|| د. جلال الدين محمد أحمد

    في أي نظام حكم يطمح إلى العدالة والشفافية، وخدمة الشعب بكل صدق وأمانة، يصبح وجود دولة القانون شرطًا أساسيًا من أجل استمرار الحياة، وتبقى مسألة محاسبة المسؤولين ركيزة أساسية لا يمكن التجاوز عنها. وعبارة “دولة القانون” تعني أنه لا كبير على القانون إطلاقًا، مهما كان المنصب الدستوري أو المقام في إدارة الدولة، فلا مجال أن يكون هناك من هو أعلى من القانون على الإطلاق.

    🛑 – وإذا كان البرلمان في الأنظمة الديمقراطية يمثل الأداة التقليدية لمساءلة الوزراء وأصحاب المناصب الدستورية، فإن غيابه لا يعني إطلاقًا إسقاط حق الشعب في معرفة أداء من يحكمونه ومحاسبة المقصرين. بل على العكس، حين يغيب البرلمان، تظهر حاجة ماسة إلى آليات بديلة تضمن عدم تحول غياب المؤسسة التشريعية إلى غطاء للإفلات من المساءلة.

    🛑 – هنا يكون الإعلام الصادق سيد الموقف:-

    عند غياب البرلمان، يصبح الإعلام الأداة الأقوى والأكثر تأثيرًا لمحاسبة الوزراء وأصحاب المناصب العليا. الإعلام الحر والمهني هو “الرقيب الشعبي” الذي لا يحتاج إلى تفويض برلماني ليمارس دوره. يمكن للصحافة الاستقصائية أن تكشف مواطن الفشل والإخفاق، فهي تمثل “السلطة الرابعة”، وأن تضع المواطنين أمام حقائق أداء وزرائهم، دون الحاجة إلى إذن من أي جهة.

    🛑 – لكن المطلوب هنا إعلام راقٍ وأسلوب محترم. لا يعني غياب البرلمان فتح الباب أمام التجريح أو الإساءة أو الابتزاز الإعلامي. المقصود هو إعلام يمارس سلطته بأدوات مهنية: تحليل موضوعي، أرقام دقيقة، مقارنات عادلة، وتقديم نقد بناء يوضح أين فشل الوزير وأين نجح. الأسلوب المحترم لا ينتقص من قوة المعلومة، بل يزيدها تأثيرًا ومصداقية. ونشر الأكاذيب والنفاق على المسؤولين هو أول نقطة فشل من يدعي أنه إعلامي.

    🛑 – ومن الأهمية بمكان أن نمنع فتح “بلاغات” ضد كُتّاب الإعلام أو ضد الصحفيين أو النشطاء الذين يطالبون الوزراء بكشف إنجازاتهم ومواطن فشلهم. فحق المطالبة بالشفافية ليس جريمة، وممارسة النقد المسؤول ليست تحريضًا. إن تحويل كشف الفشل إلى بلاغ أمني أو قضائي هو قمع للحق في المعرفة، وهو ما يتناقض مع مبدأ العدالة.

    🛑 – آليات محاسبة أصحاب المناصب الدستورية:-

    في غياب البرلمان، يمكن الاعتماد على عدة آليات بديلة لمحاسبة الوزراء والمسؤولين الكبار:-

    أولاً: انشاء هيئات رقابية مستقلة :-
    يمكن إنشاء هيئات وطنية عليا للشفافية ومكافحة الفساد، تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية، وتتمتع بصلاحية التحقيق في أداء الوزراء وطلب البيانات ومراجعة العقود والقرارات. أعضاء هذه الهيئات يُختارون من بين القضاة والخبراء وأكاديميين معروفين بالنزاهة. لكن في معظم دول العالم الثالث تتهرب الحكومات من تأسيس هذه النوعية من الهيئات؛ لأن القابضين على السلطة في تلك الدول أنفسهم هم صناع الفساد.

    ثانيًا: القضاء :-
    في حالات الفساد المالي أو الإداري أو تجاوز السلطة، يظل القضاء المستقل هو الملاذ الأخير. يمكن رفع دعاوى قضائية ضد الوزراء وأصحاب المناصب الدستورية بناءً على أدلة واضحة، والمحاكمة علنية. القضاء لا يحتاج إلى برلمان ليفصل في قضايا الفساد.

    ثالثًا: ديوان المظالم :-
    إنشاء جهاز متخصص للنظر في شكاوى المواطنين ضد الوزراء والمسؤولين، يتمتع هذا الديوان بسلطة استدعاء المسؤولين وطلب المستندات، ويصدر توصيات ملزمة. وهذا معمول به في المملكة العربية السعودية.

    رابعًا:- التعيينات بضوابط :-

    منع ظاهرة تعيين “الوزير مدى الحياة” أو التعيينات بموجب اتفاقيات سياسية أو التعيينات العابرة للمساءلة، بأن يكون تعيين الوزراء بموجب عقود أداء واضحة، تحدد الأهداف والمؤشرات القابلة للقياس، وتكون هذه العقود متاحة للجمهور. كما يجب توضيح مهام الوزير بدقة في جدول ينشر للاعلام وكشف (Job description) يمنعه من التعدي على ما ليس له فيه الحق، ويمنع أن يصنع الوزير من نفسه (شخصًا كامل الصلاحيات بدون محاسبة). كما يمنع الوزير أن يقوم بتعيين من حوله من أهله أو من جهويته، وهنا مربط الفرس في الفساد وإخفاء الفساد عبر تغطية الأقارب لكل فساد الوزير المعني.

    • محاسبة الفاسد تمر عبر مراحل:-

    1. كشف الفساد :- وهنا يأتي دور الإعلام الحر والشهود المبلغين عن المخالفات (المُبلّغين)، مع توفير حماية قانونية لهم من أي مساءلة أو عقاب.

    2. التحقيق المستقل – بواسطة هيئة مستقلة تمتلك صلاحية تجميد الأموال المُتّهم بها، ومنع السفر، واستدعاء الوزير كأي مواطن عادي (منزوع الحصانة).

    3. المحاكمة العلنية – أمام قضاء نزيه، حيث لا حصانة للوزير أو لغيره. الفاسد يحاكم على أفعاله لا على منصبه.

    4. الرد والعقاب :- إعادة الأموال المنهوبة والممتلكات (أراضٍ + معادن + ذهب + مزارع + إلى آخره)، وتعويض المتضررين، وتوقيع عقوبات تصل إلى السجن طويل الأمد والحرمان من تولي المناصب العامة مدى الحياة.

    5. توعية المجتمع – بث ثقافة أن الفساد ليس مجرد خطأ إداري بل جريمة في حق الشعب، وأن المتستر على الفاسد شريك في الجريمة. ويجب أن يُقبَض على كل من يتستّر على الفاسد.

    • الفشل ليس جريمة، لكنه مسؤولية:-

    من المهم التفريق بين الفشل والإخفاق غير المتعمد وبين الفساد المتعمد. الوزير الذي يبذل جهدًا صادقًا لكنه يخفق بسبب ظروف خارجة عن إرادته أو بسبب نقص خبرة قد يستحق العزل لكن ليس العقاب الجنائي. أما الفشل المتكرر، أو الفشل الناتج عن إهمال جسيم أو تجاهل للاستشارات والخبرات، فهذا مسؤولية سياسية وأدبية يجب أن يقابلها ترك المنصب واعتذار علني للشعب.

    وفي كل الأحوال، يجب أن يكون هناك تقييم دوري وعلني لأداء كل وزير (ويُقترح أن يتم ذلك كل ربع سنة، بمعنى كل ثلاثة أشهر يتم إعادة التقييم للوزير أو لصاحب المنصب الدستوري). مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية يمكن أن توفر مساحات للمواطنين لتقييم الخدمات وطرح الاستفسارات مباشرة، والوزير الذي يتهرب من الرد المباشر على المواطنين هو وزير فاشل بامتياز، أو فيه فساد يخاف من المواجهات الإعلامية.

    • آخر المداد

    غياب البرلمان ليس عذرًا للتخلي عن محاسبة الوزراء. الإعلام الحر، القضاء المستقل، الهيئات الرقابية، ووعي المواطنين هي أدوات قادرة على تعويض الفراغ التشريعي. المهم أن تكون الإرادة السياسية موجودة، وأن يُقتنع الجميع – من حاكم ومحكوم – أن المحاسبة ليست انتقامًا من الناجحين، بل حماية للمجتمع من الفشل والفساد.
    ألا هل بلغت، اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.