التصالح مع النفس… ترنيمة صفاء في نصٍ أنيق…تعقيب على الكاتبة نجلاء كرار

  • بتاريخ : 30 أبريل، 2026 - 6:38 ص
  • الزيارات : 13
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق
    “محامي- مستشار قانوني”

    في مقالها الشفيف، كتبت الأستاذة نجلاء كرار بلغةٍ أقرب إلى الهمس النبيل، فتأخذ القارئ من صخب الخارج إلى سكينة الداخل، وتعيد تذكيره بأن أعظم اللقاءات ليست تلك التي تجمعنا بالآخرين، بل التي نتصالح فيها مع ذواتنا حين ننزع الأقنعة ونقف أمام الحقيقة بلا مواربة.
    لقد جاء نصها كمرآةٍ صافية، لا تعكس فقط ملامح النفس، بل تُنقّيها؛ يفيض برقة التعبير، ونُبل المعنى، ويُشيع في ثناياه روحًا من التسامح الإنساني الذي نفتقده في زمنٍ أثقلته القسوة وسوء الظن. فهي لا تكتب مجرد فكرة، بل تبث حالة وجدانية كاملة، تجعل القارئ يشعر وكأنه يراجع نفسه بهدوء، دون إكراه، ودون ضجيج.
    غير أن هذا الصفاء الذي أبدعت الكاتبة في تصويره، يفتح بابًا أوسع للتأمل؛ إذ إن التصالح مع النفس – على جلاله – لا يكتمل إلا إذا اقترن بيقظةٍ داخليةٍ دائمة، تحرسه من أن ينقلب إلى مهادنةٍ مع الخطأ، أو تسويغٍ للقصور. فالنفس، بطبيعتها، تميل إلى الراحة، وقد تلبس ثوب “التصالح” لتُخفي تحت طياته ما يحتاج إلى مراجعة وتقويم.
    وهنا تبرز قيمة الطرح الذي قدّمتْه الأستاذة نجلاء، إذ إنه يُمثّل المدخل الصحيح، والبداية الراقية لطريقٍ أطول؛ طريقٍ لا يكتفي بصفاء الداخل، بل يسعى إلى اتساق الظاهر مع الباطن، وإلى أن يُترجم هذا السلام إلى خُلقٍ يُرى، وأثرٍ يُحس.
    لقد نجحت الكاتبة في أن تُذكّرنا بأن الحياة لا تحتمل هذا القدر من التعقيد الذي نصنعه بأيدينا، وأن البساطة الصادقة، والنية النقية، والروح المتسامحة، قادرة على إعادة التوازن إلى إنسانٍ أنهكته التفاصيل. وهي في ذلك لا تقدّم وعظًا جافًا، بل تكتب بروحٍ تُقنع قبل أن تُقوِّم، وتلامس قبل أن تُحاكم.
    يبقى أن نقول: إن مثل هذه النصوص ليست مجرد مقالات عابرة، بل هي ومضات وعيٍ، تضيء فينا شيئًا كدنا ننساه. وإن كان التصالح مع النفس – كما صوّرته الكاتبة – سر الحياة الجميلة، فإن تمام هذا السر يكمن في أن يتحول هذا الجمال إلى سلوك، وأن يصبح هذا الصفاء مسؤولية، لا مجرد شعور عابر.
    وهكذا، يظل نص الأستاذة نجلاء كرار قطعة أدبية رفيعة، تجمع بين جمال العبارة وصدق الفكرة، وتمنح القارئ فرصة نادرة… لأن يعود إلى نفسه، ولكن هذه المرة، بوعيٍ أعمق، وببصيرةٍ أكثر صفاءً.