حصانة المحامي… متى تُثار؟ وما هي إجراءات رفعها؟

  • بتاريخ : 29 أبريل، 2026 - 6:43 ص
  • الزيارات : 36
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “محامي- مستشار قانوني”

    في إحدى قاعات المحاكم بالسودان، قد يُفاجأ محامٍ بأن إجراءات جنائية قد اتخذت في مواجهته قبل أن يُستكمل التحقق من القيد الإجرائي اللازم. عندها يبرز سؤال جوهري لا يتعلق بالوقائع بقدر ما يتعلق بصحة الطريق الذي سلكته العدالة: هل كانت هناك حصانة واجبة التطبيق؟ وهل تم رفعها وفق القانون قبل السير في الدعوى؟

    حصانة المحامي في النظام القانوني السوداني ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما هي ضمانة مهنية تتصل بحماية استقلال مهنة المحاماة وصون أداء رسالتها. وقد قرر قانون المحاماة لسنة 1983 وتعديلاته هذا المعنى في إطار حماية المحامي أثناء أدائه لعمله المهني، حيث نص في المادة (45) على تمتع المحامي بالحماية القانونية عن الأقوال والإجراءات التي تصدر منه أثناء وبسبب مباشر لمزاولة مهنته، بما يحقق له حرية الدفاع دون خوف من الملاحقة الجزائية أو المدنية بسبب أداء واجبه المهني.

    وفي ذات السياق، قرر القانون في المادة (48) أنه لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد المحامي فيما يتعلق بعمله المهني إلا بعد الحصول على إذن من الجهة المختصة في نقابة المحامين، وهو ما يُفهم منه أن رفع الحصانة يُعد شرطًا إجرائيًا سابقًا لتحريك الدعوى في الحالات التي تدخل في نطاق العمل المهني.

    غير أن هذه الحماية ليست مطلقة، إذ يميز القانون بين الفعل المهني والفعل الشخصي. فمتى كان الفعل منسوبًا إلى المحامي خارج نطاق مهنته، فإنه يخضع للقواعد العامة دون حاجة لأي إذن، لأن الحصانة لا تمتد إلى السلوك الشخصي غير المرتبط بوظيفة الدفاع.
    أما إجراءات رفع الحصانة، فقد نظمتها أحكام القانون في الباب المتعلق بتنظيم نقابة المحامين، حيث يُعرض الطلب على الجهة المختصة داخل النقابة، والتي تتحقق أولًا من طبيعة الفعل، وهل هو مرتبط بالمهنة أم لا. فإذا رأت أن الواقعة تدخل ضمن نطاق العمل المهني، يُعرض الأمر على مجلس نقابة المحامين باعتباره الجهة المختصة باتخاذ القرار.

    وقد نص القانون في المادة (52) على اختصاص مجلس النقابة بالإشراف على شؤون المهنة واتخاذ القرارات المتعلقة بحماية المحامين ومساءلتهم في حدود القانون، وهو ما يُستفاد منه أن سلطة رفع الحصانة تُعد من السلطات الجوهرية المرتبطة بحماية المهنة، ولا يجوز التفويض فيها إلا بنص صريح، لأن التفويض المطلق قد يُخل بالتوازن الذي أراده المشرّع بين الحماية والمساءلة.

    ويترتب على ذلك أن صدور إجراءات جنائية في مواجهة محامٍ دون استيفاء شرط الإذن، في الحالات التي يوجبها القانون، يُعد خللًا إجرائيًا جسيمًا، قد يصل إلى حد بطلان الإجراءات، باعتبار أن شرطًا جوهريًا من شروط تحريك الدعوى لم يتم استيفاؤه.

    ومن ناحية أخرى، يرسخ هذا التنظيم مبدأ مهمًا في الفقه والإجراءات الجنائية، مؤداه أن صحة المحاكمة لا تتوقف على النتيجة النهائية وحدها، بل على سلامة الطريق الذي سلكته منذ بدايته، لأن العدالة لا تقوم على إجراءات مبتسرة أو منقوصة.

    وخلاصة القول، أن قانون المحاماة السوداني لسنة 1983 وتعديلاته قد رسم إطارًا متوازنًا للحصانة، يقوم على ثلاث قواعد أساسية:

    أن الحصانة مرتبطة بالفعل المهني لا بشخص المحامي، وأن رفعها شرط إجرائي سابق في الحالات التي تستوجبها، وأن سلطة تقريرها منوطة بالجهة النقابية المختصة في حدود القانون. وبين هذه القواعد يتجلى الهدف الحقيقي: حماية مهنة الدفاع دون أن تتحول إلى حصانة من المساءلة.

    فالعدالة لا تُقاس فقط بما تنتهي إليه من أحكام، بل بما تبنيه من إجراءات سليمة تضمن أن الطريق إليها كان مستقيمًا منذ بدايته.