البرف “الدعامي”.. استدعتَ أوجاع السنين وحسب

  • الكاتب : احمد يوسف التاى
  • بتاريخ : 8 يناير، 2026 - 11:35 ص
  • الزيارات : 80
  • بقلم / أحمد يوسف التاي

    (1)
    في العام 2014، وضعتُ يدي على مستندات خطيرة جدًا كشفتْ عن فساد وتزوير وتجاوزات في مفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)..كانت المستندات تحكي عن فوضى عارمة، ونهب وتزوير ومحسوبية ومحاباة..الخ..
    بعد النشر، لم تجتهد الجهات العدلية، ولا حُراس المال العام، ولا أي جهة رقابية حكومية في تقصي الحقائق، والتحري حول ما نُشر، ولم يتم تكوين لجنة تحقيق حتى.. ولكن بالمقابل اجتهد قادة المفوضية في معرفة الشخص (النظيف) الذي سرب المستندات للتاي.. للأسف الشديد تركوا كل تلك المستندات الدامغة التي لم تستبقِ فضيحةً إلا وتحدثت عنها بوضوح ، نعم تركوا كل ذلك و(مسكوا) فقط في الشخص (الخائن) الذي سرب أسرار الدولة – قصدهم أسرار الفساد –
    وبحثوا عن الشخص بكثافة وأجروا تحريات دقيقة جدًا لا لإجلاء الحقائق ومحاكمة المزورين والفاسدين بل لمعرفة الشخص الذي أسهم في كشف الفساد بالمستندات..
    والغريب في الأمر أنه لا أحد نفى صحة ما جاء في المستندات ولا كذبوا المستندات ولم يقولوا أنها ذكاء اصطناعي، لأن كل تلك الفضائح لم تكن مشكلة بالنسبة لهم، بل كانت المشكلة في التسريب وكشف الفساد، ولأنهم أصلاً أمِنوا العقاب..
    (2)
    في العام ذاته، تكرر معي ذات السيناريو، عندما نشرنا مستندات تتعلق بحصول وكيل وزارة العدل، مدير مصلحة الاراضي الأسبق على 20 قطعة من بينها مواقع استثمارية مميزة ، بطرق مشبوهة وكذلك حصول مدير المساحة على عدد من القطع التي كانت لافتة، فكانوا أيضا مثل أصحابهم يجتهدون في معرفة (من) سرب المستندات لا (ما) حوته المستندات من مخالفات وتجاوزات وشبهات فساد.. حتى ان المتحري بنيابة الاراضي وهو ضابط وجه لي تهمًا تتعلق بإفشاء أسرار الدولة..!! تصدقوا…؟..
    المهم ناس وزارة العدل ومصلحة الأراضي كان شغلهم الشاغل أن يعرفوا من الذي سرب (أسرار الدولة) – يقصدون من الذي سرب عقودات أراضي أولئك المسؤولين .. أجتهدوا في ذلك حتى عثروا على الموظف الذي سرب المستندات، ولم يجتهدوا في كون مانشرته الصحيفة حقائق أم أكاذيب، لأن ذاك لم يكن في محور اهتماماتهم، فقد كان المهم عندهم أن يعثروا على الشخص الذي سرب المستندات، وليس مهمًا مَن سرق ومَن نصب ومَن استغل نفوذه …
    من يومها تعلمتُ شيئين هما: أن للدولة (أسرار) غير التي أفهمها، وأدركت أيضًا أن الذي يكشف التزوير والزيف والفساد هو الذي يجب أن يُحارب، ويُضيَّق عليه وتشوه سمعته وتلصق به التهم، وتنسج له قصص الخيال بالذكاء الاصطناعي وبغيره.
    (3)
    استدعيت تلك الذكريات وأنا أتابع بوسائل التواصل الإجتماعي سيولًا من الاتهامات والشتائم التي تلاحق مدير الشئون العلمية بجامعة الخرطوم المستقيل البروفيسور علي عبد الرحمن رباح الذي اتبع استقالته ببيان كشف فيه تجاوزات وضغوط من أجل  الصمت على حالات تزوير الشهادات كما أشار لذلك في بيانه ..الخ..
    الاتهامات التي واجهها البروف رباح  على الميديا وتسريب “وريقة” تزعم أنه دعامي والإساءات التي تعرض لها ، كل ذلك بعد بيانه الذي كشف فيه عن أسباب الاستقالة  وحديثه عن التزوير.. الخ….
    تم تسريب معلومات تتحدث عن انتمائه للدعم السريع وأن اسمه ورد ضمن الحكومة التي كان حميدتي يعتزم تشكيلها بعد نجاح انقلابه.
    الموضوعية والمهنية تقتضيان عدم خلط الأوراق…افصلوا بين ملف كونه “دعامي” وقدموا للقضاء ما يثبت هذا الإدعاء وبين الاتهامات الخطيرة التي ساقها الرجل عن تزوير الشهادات ونحوها، وحققوا في الملفين بشكل منفصل تمامًا.
    ثمة سؤال يجري في السياق: لماذا تركتم هذا “الدعامي” كل تلك المدة وهو (دعامي) ولم تخرجوا لنا (دعاميته) هذه إلا بعد بيانه الناري  وإثارته موضوع التزوير، والضغوط والاختراقات..
    (4)
    من خلال تجربتي الطويلة في محاربة الفساد بالنشر الموثق، وما تكرر معي تشكلتْ لدي قناعة بأن كل من يكشف فسادًا أو أي اختلال، ويتعرض في الوقت نفسه لتشويه السمعة وتلفيق التهم بعد كشفه للملفات السوداء مباشرة، تشكلت لدي قناعة بأنه أقرب  للصواب..
    مثل هذه الحالة أشبه بحال الشخص الذي تواجهه بالاتهامات وتقول له أنت حرامي، سرقت كذا ونهبت كذا، زوّرت كذا، فيقول لك أنت برضو فعلت كذا وكذا وكذا بدلاً عن نفي التهمة بوسائل الإقناع المعروفة في التبرئة، ما يعني أنه مقر بفعلته ولم ينكرها….
    خلاصة القول: اتركوا اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء  لتتقصى الحقائق في جو معافى بعيدا عن المؤثرات والبيانات، والشتائم على وسائل التوصل وبعيدا عن تشويه سمعة الطرف مثير التهم حتى لايؤثر ذلك في عمل اللجنة، كل ذلك من أجل إظهار الحقيقة دون غبش ، ومن أجل ألا نظلِم بريئًا
    اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.