المستشار القانوني الطيب شيقوق يكتب : السودان بين نار الحرب وأمل التفاوض

  • بتاريخ : 21 أبريل، 2026 - 12:00 م
  • الزيارات : 24
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “كاتب – محامي- مستشار قانوني”

    في توقيتٍ لا يخلو من الدلالة، جاءت تحركات القائد العام للقوات المسلحة نحو الرياض، وتزامنت معها زيارة المبعوث الأمريكي إلى القاهرة، وكأن الإقليم بأسره يهمس للسودان: لقد طال أمد الحرب، وحان أوان اختبار طريقٍ آخر. ليست هذه التحركات مجرد زيارات بروتوكولية، بل تعكس إدراكًا متناميًا بأن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها المحلية، وأصبحت جزءًا من معادلة إقليمية معقدة تتطلب أدوات مختلفة عن تلك التي أُنهكت في ميادين القتال.

    إن تلاقي الفاعلين الدوليين والإقليميين حول ملف الهدنة الإنسانية لا يمكن فصله عن حجم الكارثة التي يعيشها السودانيون. فالحرب التي بدأت كصراع على السلطة، تحولت إلى مأساة يومية تُقاس بعدد النازحين، وأنين الجوعى، وانكسار المدن التي كانت تضج بالحياة. لذلك، فإن أي تحرك نحو وقف إطلاق النار، مهما كان محدودًا، يظل بارقة أمل لملايين أنهكتهم الحرب.
    غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود الأمن والإنسان، بل امتدت إلى عمق الاقتصاد الوطني الذي دخل مرحلة انهيار متسارع. فقد فقد الجنيه السوداني جزءًا كبيرًا من قيمته أمام العملات الأجنبية، وتراجعت قدرته الشرائية بصورة غير مسبوقة، حتى باتت أسعار السلع الأساسية تتغير خلال اليوم الواحد أكثر من مرة. وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات أرهقت الأسر، وأخرجت قطاعات واسعة من المجتمع إلى دائرة الفقر المدقع، في ظل شلل شبه كامل في الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع الثقة في السوق والعملة والنظام المالي برمته. لقد أصبحت الحياة اليومية عبئًا اقتصاديًا خانقًا، لا يجد فيه المواطن سوى الصبر كخيار وحيد.

    غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالهدنة وحدها، بل بما بعدها: هل يملك الفاعلون في الداخل الجرأة للانتقال من منطق الحسم العسكري إلى أفق التسوية السياسية؟ التجربة السودانية، منذ توريت 1955 وحتى اليوم، تؤكد أن الحروب لا تنتهي بانتصارٍ كامل لطرفٍ على آخر، بل غالبًا ما تُحسم على طاولات التفاوض، بعد أن تُستنزف البلاد ويُرهق العباد.

    لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على السلاح وحده لا يبني دولة، ولا يحفظ وحدة، ولا يؤسس لشرعية مستدامة. فالدولة الحديثة لا تقوم على الغلبة، بل على التوافق، ولا تُدار بالبندقية، بل بالعقد الاجتماعي الذي يضمن مشاركة الجميع. ومن هنا، فإن التحول نحو السياسة ليس ضعفًا، بل هو تعبير عن نضجٍ في قراءة الواقع، واستجابة لضرورات التاريخ.

    هذا التحول يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها أزمة الثقة بين القوى المختلفة، والتداخل المعقد بين العسكري والسياسي، فضلًا عن إرث طويل من التوظيف الأيديولوجي لمؤسسات الدولة. إن إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وقومية تظل شرطًا أساسيًا لأي انتقال حقيقي، لأنها الضامن لوحدة البلاد، والحارس لمسارها الديمقراطي إن أُحسن تعريف دورها.

    وفي المقابل، فإن القوى المدنية مطالبة هي الأخرى بتجاوز خلافاتها، والارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية. فالتغيير لا يُنجز بالشعارات وحدها، بل برؤية واضحة، ومشروع وطني جامع، قادر على مخاطبة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. إن دعم التفاوض يجب أن يقترن بطرح بدائل واقعية، تُقنع الداخل وتطمئن الخارج.

    ما يجري اليوم قد يكون مفتاحًا لبداية مسار مختلف، وقد يظل مجرد حلقة عابرة في سلسلة الأزمات المتلاحقة؛ والفارق بين الأمرين لا تحدده التحركات الخارجية بقدر ما تحسمه إرادة السودانيين أنفسهم. فالأمم لا تنهض بتكرار أخطائها، ولا تُمنح الفرص لمن يتردد في اغتنامها، بل لمن يملك شجاعة المراجعة والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة.

    لقد وصلت الحرب إلى أقصاها، واستُنزفت مقدرات البلاد إلى حدٍّ لم يعد يسمح بمزيد من الاحتمال أو التأجيل. ولم يعد السؤال مطروحًا بصيغة: هل يمكن الجمع بين البندقية والتفاوض؟ بل بات أكثر إلحاحًا ووضوحًا: هل يمكن إنقاذ السودان دون أن تتقدّم السياسة لتقود المشهد، وتفرض منطقها على ضجيج السلاح؟