من أفكار (روسو) إلى الواقع السوداني: هل يمكن بناء دولة مستقرة عبر المؤسسية المحلية دون الرؤي العالمية؟

  • بتاريخ : 18 أبريل، 2026 - 6:43 م
  • الزيارات : 90
  • بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.

    “محافظ بنك السودان السابق”

    مواصلة للحوار الفكرى بين شخصي الضعيف والمستشار الطيب شيقوق حول اصلاح الدولة، أكد المستشار الطيب في آخر رد له على أن الرؤيتين المطروحتين – اصلاح الأداء واصلاح الدولة- لا تتعارضان، بل تشكلان مرحلتين متكاملتين ضمن مشروع واحد لإعادة بناء الدولة. ويستند تحليله إلى أفكار فلاسفة كلاسيكيين: (روسو) الذي يرى أن الدولة تقوم على العقد الاجتماعي والإرادة العامة، و(مونتسكيو) الذي أكد على ضرورة الفصل بين السلطات لضمان الاستقرار ومنع الاستبداد، و (لوك) الذي جعل سيادة القانون وحماية الحقوق حجر أساس الشرعية. ويخلص إلى أن فشل الإصلاحات في الدول الهشة يعود إلى غياب العقد الاجتماعي، وضعف الفصل بين السلطات، وعدم ترسيخ سيادة القانون. ويؤكد أن بناء الدولة عملية طويلة وتراكمية تبدأ بتأسيس قواعد دستورية ومؤسسية، تليها تحسين الأداء وتطبيق الحوكمة، وصولا إلى التنمية والاستقرار. وفي الخلاصة، يرى أن السودان لا يحتاج إلى اختيار بين الرؤى، بل إلى دمجها في مشروع متكامل يبدأ بتأسيس دولة مؤسسية قوية، ثم تطوير الأداء داخل هذا الإطار لتحقيق الاستقرار والثقة والتنمية المستدامة.

    المداخلات التي وصلتني في الخاص ركزت على أهمية النقد الذاتي عند التناول، والتفريق بين “بناء الدولة” و”تشغيلها”. بينما يرى آخرون أن الطرح لا ينبغي فهمه كتسلسل زمني، بل كمسارين متوازيين: بناء تدريجي للمؤسسات مع تطبيق الحوكمة عمليا في الواقع الحالي. كما شددوا على أن ربط المؤسسية بالاقتصاد السياسي (المصالح والحوافز) ضروري لفهم أعمق للتحديات. أغلب المعلقين اتفقوا على أن الرؤيتين متكاملتان ويمكن دمجهما لتحقيق أفضل النتائج. ولكن ينبغي الاهتمام بكيفية تأثير الهياكل الاقتصادية والمصالح السياسية على استقرار الدولة والمؤسسات. ويرون أن بناء مؤسسات قوية وحده لا يكفي، بل يجب مراعاة توزيع الموارد والمصالح بين المجموعات المختلفة، وضمان الحوافز السياسية والاقتصادية لتجنب استغلال السلطة، وحماية الحقوق وسيادة القانون لتعزيز الشرعية، وربط التنمية الاقتصادية بفعالية المؤسسات لضمان الاستقرار والثقة بين الدولة والمواطنين. باختصار، نجاح الدولة السودانية، من وجهة نظرهم، يعتمد على دمج بناء المؤسسات مع فهم الديناميات السياسية والاقتصادية المحلية.

    أما السؤال الذي أطرحه هنا لمواصلة النقاش فهو: هل على السودان تقليد النماذج الغربية في بناء الدولة المؤسسية، أم ابتكار نهج محلي يتوافق مع القيم والعادات دون التنازل عن الأسس التي أشار إليها المستشار شيقوق؟ هنا يتبادر إلى الذهن مثال البحرين، حيث أشاد أوروبي على وسائل التواصل بنهج جلالة الملك في التعامل مع القضايا المواطنية من خلال التواصل المباشر والجلسات النقاشية لمعالجة المشكلات وإيجاد الحلول الانيه. ويرى جلالة الملك أن صغر حجم البحرين يتيح مثل هذا التواصل، الذي يشبه “برلمانا فعّالا” لكنه لا يعتمد على آليات
    (ويستمنيستر) التقليدية. الفكرة ليست نسخ النموذج الغربي حرفيا، بل تحقيق الهدف نفسه بفعالية التواصل المباشر وحل المشكلات بأدوات محلية قابلة للتطبيق.

    الرهان في السودان يكمن في التوازن بين الأصالة والحداثة. الأسس التي ذكرها المستشار شيقوق – العقد الاجتماعي، سيادة القانون، الفصل بين السلطات- هي مبادئ عامة لاشك من اهميتها للتطبيق عالميا لأنها تحمي الاستقرار وحقوق المواطنين. وما يمكن فعله هو تكييف آليات التنفيذ لتتناسب مع السياق المحلي، بما يشمل العادات، وطرق التواصل المجتمعي، والثقافة السياسية. بمعنى يمكن تصور نموذج سوداني محلي متكامل قائم على هيكل مؤسسي واضح بمؤسسات قوية ومستقلة تحمي سيادة القانون وآليات مشاركة تنبع من واقعنا وتراثنا. السؤال الذي أطرحة هنا: بين المؤسسية والهوية، هل يمكن بناء دولة قوية بلمسة محلية أي دمج التقاليد مع الحداثة، بمعني آخر الاستفادة من خبرات النماذج الغربية مع احترام الأعراف السودانية لضمان قبول المجتمع واستدامة الإصلاح. هذا الأمر متروك للنقاش الفكرى.

    بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.