الرقم الجامعي حق قائم… ومعالجة الخلل تعيد للطالب حقه وتضع التعليم العالي على طريق العالمية
بقلم: د. سعاد فقيري
ليست القضية أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قررت اليوم أن تمنح الطالب رقماً جامعياً؛ فالرقم الجامعي موجود أصلاً، وهو جزء أساسي من منظومة القبول والتسجيل في التعليم العالي.
لكن القضية الحقيقية التي تستحق التوقف عندها هي: ماذا يحدث عندما تقبل بعض الجامعات طلاباً، ثم لا تستكمل إجراءات تسجيلهم واستخراج أرقامهم الجامعية عبر القنوات الرسمية، وتترك أوضاعهم معلقة عاماً بعد عام حتى يصل بعضهم إلى مرحلة التخرج؟
هنا لا نتحدث عن رقم على بطاقة طالب، وإنما عن حق أكاديمي ومستقبل إنسان ومستند قانوني وأكاديمي لا يمكن تجاوزه.
ومن هنا تأتي أهمية المعالجة التي بدأت بها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بعد أن ظهرت حالات وأعداد كبيرة من الطلاب الذين لم تُستكمل أوضاعهم الجامعية بصورة صحيحة، فتم تشكيل لجنة للحصر والمراجعة ودراسة الحالات وفقاً لأسس القبول المعتمدة.
وهذه خطوة تستحق الإشادة؛ لأنها تضع المشكلة في مكانها الصحيح: الطالب لا ينبغي أن يدفع ثمن خطأ إداري ارتكبته مؤسسة تعليمية، وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول حماية الطالب إلى تسوية لمخالفة في شروط القبول.
الرقم الجامعي ليس المشكلة… وإنما عدم استكمال الإجراءات
الرقم الجامعي هو جزء من الهوية الأكاديمية للطالب، ومن خلاله تُثبت علاقته الرسمية بمؤسسة التعليم العالي، ويصبح مساره الأكاديمي قابلاً للتوثيق والمتابعة.
لكن المشكلة التي كشفتها الحالات التي تتم مراجعتها ليست في غياب فكرة الرقم الجامعي، وإنما في أن بعض الطلاب تم قبولهم وتسجيلهم داخل جامعاتهم، ثم لم تُستكمل الإجراءات الرسمية المتعلقة بإثبات قبولهم وتسجيلهم لدى الجهات المختصة في وزارة التعليم العالي.
والأخطر أن بعض هذه الحالات استمرت لسنوات.
طالب يبدأ دراسته، ويدفع الرسوم، وينتقل من عام إلى آخر، ويجتاز المقررات، وربما يصل إلى السنة النهائية، ثم يكتشف أن وضعه الأكاديمي الرسمي لم يُستكمل كما ينبغي.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
أين كانت الرقابة طوال هذه السنوات؟
ولماذا تُرك الطالب حتى يصل إلى مرحلة التخرج قبل اكتشاف المشكلة؟
الطالب المستوفي لشروط القبول… يجب ألا يضيع حقه
وهنا تأتي النقطة الأكثر أهمية في المعالجة الحالية.
إذا تبين للوزارة، بعد الفحص والمراجعة، أن الطالب قُبل وفق شروط القبول المعتمدة في السنة التي التحق فيها بالجامعة، فإن الخلل لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة على الطالب.
فالطالب الذي استوفى شروط القبول، والتحق بالجامعة، وواصل دراسته، وأصبح وضعه الأكاديمي مستوفياً من حيث الأصل، لا يجوز أن تضيع سنوات دراسته بسبب تقصير إداري لم يكن طرفاً فيه.
ومن هنا فإن معالجة وضعه، واستكمال تسجيله واستخراج رقمه الجامعي وفق الإجراءات التي تعتمدها الوزارة، يمثلان حماية لحق الطالب وتصحيحاً للخلل.
لكن في المقابل، يجب ألا تمر المخالفة التي تسببت في المشكلة دون مساءلة.
فالجامعة التي لم تستكمل الإجراءات في وقتها تتحمل مسؤوليتها، ومن ثم فإن تحميل المؤسسة المخالفة الجزاء أو الغرامة المقررة وفق اللوائح يحقق معادلة مهمة:
نحمي الطالب المستحق… ونحاسب المؤسسة المقصرة.
وهذه هي العدالة المؤسسية التي نحتاجها.
أما من لم يستوفِ شروط القبول… فالقضية مختلفة تماماً
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الحالات.
ليست كل الحالات متساوية، ولا يجوز وضعها كلها في سلة واحدة.
هناك طالب استوفى شروط القبول، لكن جامعته لم تستكمل إجراءاته الرسمية.
وهناك حالة أخرى مختلفة جذرياً: طالب تم قبوله أصلاً دون استيفاء شروط القبول المطلوبة، وربما في تخصصات لا تسمح قواعد القبول بالالتحاق بها بهذه النسبة أو بهذا المستوى.
وقد يحدث أن تقبل الجامعة الطالب داخلياً، وتتقاضى منه الرسوم، ويستمر في الدراسة عاماً بعد آخر، حتى يصل إلى التخرج.
لكن عند مرحلة إصدار الشهادة تظهر الحقيقة:
لا يوجد له تسجيل رسمي موثق لدى الجهة المختصة بالقبول، وبالتالي لا يمكن اعتماد مؤهله بالطريقة النظامية.
وهنا لا ينبغي أن تُحمّل وزارة التعليم العالي مسؤولية مخالفة لم ترتكبها.
فالوزارة لا تستطيع أن تمنح شرعية بأثر رجعي لقبول لم يكن مستوفياً لشروطه من الأساس.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح حق الطالب في معرفة المسؤولية عن الضرر أمراً مهماً، وقد يكون الطريق القانوني والقضائي متاحاً له لمساءلة الجهة التي قبلته وأخذت منه الرسوم وسمحت له بالاستمرار في الدراسة رغم عدم استيفائه شروط القبول.
هذه ليست قضية طالب فقط… إنها قضية حوكمة جامعية
المشكلة التي كشفتها هذه الحالات يجب ألا تُقرأ باعتبارها مشكلة أرقام جامعية فحسب.
إنها تكشف حاجة التعليم العالي إلى حوكمة أكثر صرامة في العلاقة بين الجامعة والوزارة والطالب.
فلا ينبغي أن يتمكن أي طالب من الدراسة لسنوات دون أن يعرف بصورة واضحة:
هل تم قبوله رسمياً؟
هل تم تسجيله لدى الجهة المختصة؟
هل صدر رقمه الجامعي؟
هل تخصصه معتمد؟
هل ملفه الأكاديمي موثق؟
وهل ستكون شهادته قابلة للاعتماد عند التخرج؟
هذه أسئلة يجب أن يعرف الطالب إجاباتها منذ السنة الأولى، وليس بعد أربع أو خمس سنوات من الدراسة.
من هنا تبدأ الجامعة الذكية
إذا أردنا أن نتجاوز هذه المشكلة جذرياً، فلا يكفي حصر الحالات الحالية ومعالجتها، رغم أهمية ذلك.
المطلوب أن ننتقل إلى منظومة رقمية تجعل الطالب والجامعة والوزارة مرتبطين إلكترونياً منذ لحظة القبول.
بمجرد قبول الطالب، يجب أن يستطيع معرفة وضعه الرسمي، ورقمه الجامعي، والجامعة والتخصص المسجل به، وأن تكون هناك آلية إلكترونية تمنع انتقال الطالب إلى سنة لاحقة إذا لم تكتمل الإجراءات النظامية.
بهذا نغلق الباب أمام تراكم الأخطاء.
فلا يمكن أن نكتشف بعد سنوات أن طالباً درس أربع سنوات دون رقم جامعي، أو أن طالباً وصل إلى التخرج دون أن يكون وضعه مسجلاً بصورة رسمية.
الرقمنة ليست رفاهية
وهنا نصل إلى قضية أكبر.
إن الرقمنة في التعليم العالي ليست مجرد تحويل الأوراق إلى ملفات إلكترونية، وإنما هي أداة للرقابة والشفافية وحماية الحقوق.
نريد منظومة تجعل الخطأ يظهر في حينه، لا بعد سنوات.
نريد أن يعرف الطالب وضعه الأكاديمي بضغطة زر.
نريد للوزارة أن تمتلك قاعدة بيانات دقيقة عن أعداد الطلاب وتخصصاتهم ومستوياتهم.
نريد أن تكون الشهادات قابلة للتحقق إلكترونياً.
ونريد أن تصبح عملية القبول والتسجيل والتخرج مرتبطة بمنظومة وطنية تمنع التلاعب وتقلل الأخطاء وتحدد المسؤولية بوضوح.
تحية تقدير للوزير… الساعي دائماً إلى الأفضل رغم صعوبة الطريق
وفي هذا السياق، لا بد من تسجيل كلمة تقدير لوزير التعليم العالي والبحث العلمي، الذي يسعى دائماً إلى الأفضل، ويعمل على تطوير منظومة التعليم العالي رغم ما يحيط بها من صعوبات وتحديات وتراكمات إدارية ومؤسسية.
فالإصلاح الحقيقي لا يعني أن تكون المنظومة خالية من الأخطاء، وإنما يعني أن تكون هناك إرادة مؤسسية لاكتشاف الخلل، ومراجعته، ومعالجته، ووضع الضوابط التي تمنع تكراره.
وما نراه اليوم من مراجعة للملفات ومعالجة للحالات يستحق أن يُقرأ في هذا الإطار؛ فكل إصلاح يبدأ بالاعتراف بوجود الخلل، ثم البحث عن أسبابه، ثم وضع الحلول التي تحمي الطالب وتضبط المؤسسة.
والوزير الذي يسعى إلى الارتقاء بالتعليم العالي في ظل ظروف استثنائية يحتاج إلى دعم موضوعي ونقد بنّاء ومساندة لكل خطوة صحيحة، مع الاستمرار في المطالبة بالمزيد من الإصلاح.
فالغاية في النهاية ليست الانتصار لقرار أو لشخص، وإنما الانتصار للتعليم العالي السوداني، وحماية حق الطالب، وبناء مؤسسات جامعية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
شكراً للوزارة على المعالجة… والمطلوب أن تذهب أبعد
إن تشكيل لجنة لحصر ومراجعة الحالات التي لم تستكمل أرقامها الجامعية، ثم التفريق بين من استوفى شروط القبول ومن لم يستوفها، يمثل اتجاهاً مؤسسياً مهماً في معالجة المشكلة.
والأهم أن هذه المعالجة يجب ألا تكون مؤقتة.
نحتاج إلى استخلاص الدروس من الحالات التي ظهرت، ووضع نظام يمنع تكرارها.
فالوزارة التي تبحث عن عولمة الجامعات السودانية لا بد أن تنظر إلى هذه الملفات بنظرة أوسع:
جودة التعليم تبدأ من جودة الإدارة.
والجامعة التي تريد المنافسة إقليمياً ودولياً تحتاج إلى بيانات دقيقة، وسجلات أكاديمية موثقة، وأنظمة قبول واضحة، وشهادات يمكن التحقق منها، وآليات رقابة فعالة.
لا نعاقب الطالب… ولا نحمي الخطأ
هذه هي المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة:
لا نعاقب الطالب المستحق بسبب خطأ الجامعة، ولا نحمي الجامعة من مسؤولية خطئها، ولا نعتمد قبولاً مخالفاً لشروط القبول تحت أي ضغط.
فالطالب الذي استوفى شروط القبول يستحق حماية حقه.
والجامعة التي قصرت في استكمال إجراءاته يجب أن تتحمل مسؤوليتها.
أما من قُبل دون استيفاء الشروط، فيجب أن تُدرس حالته وفق القانون واللوائح، مع حفظ حقه في اللجوء إلى الجهات العدلية المختصة إذا ترتب على تصرف الجامعة ضرر عليه.
هذه ليست قسوة على الطالب، وإنما حماية لنظام التعليم نفسه.
من معالجة الحالات إلى إصلاح المنظومة
ربما تكون هذه الأزمة فرصة حقيقية لإعادة النظر في منظومة القبول والتسجيل والرقابة على مؤسسات التعليم العالي.
فالهدف ليس فقط أن نعالج الحالات التي ظهرت، وإنما أن نضمن ألا تظهر حالات جديدة بعد سنوات.
ولذلك فإن الخطوة القادمة ينبغي أن تشمل:
رقماً جامعياً موثقاً منذ البداية، وسجلاً أكاديمياً إلكترونياً، وربطاً مباشراً بين الجامعات والوزارة، وإشعاراً للطالب بحالة تسجيله، ونظام إنذار مبكر لأي خلل، ورقابة دورية على إجراءات القبول، ومساءلة واضحة للمؤسسات المخالفة.
عندها يتحول الرقم الجامعي من مجرد إجراء إداري إلى أداة لحماية الطالب وضبط المؤسسة التعليمية وبناء قاعدة بيانات وطنية حقيقية للتعليم العالي.
التعليم العالي السوداني… إلى أين؟
السودان يمتلك طلاباً وأساتذة وباحثين قادرين على المنافسة، لكن العقول وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى مؤسسات قوية، ونظم حديثة، وإدارة رشيدة، وبيانات دقيقة، وتشريعات واضحة، ورقمنة حقيقية.
ولهذا فإن معالجة مشكلة الأرقام الجامعية يجب ألا تُقرأ باعتبارها إجراءً فنياً محدوداً، وإنما باعتبارها جزءاً من مشروع أكبر لإصلاح التعليم العالي.
وإذا كانت الوزارة قد بدأت اليوم في مراجعة الخلل وحصر الحالات وتمييز المستحق من غير المستحق، فإن المطلوب أن تكون هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة:
مرحلة لا ينتظر فيها الطالب حتى التخرج ليكتشف أن ملفه ناقص، ولا تستطيع فيها جامعة أن تقبل طالباً دون استيفاء الشروط، ولا يمكن فيها لخطأ إداري أن يستمر سنوات دون أن تكتشفه المنظومة.
إن قوة التعليم العالي لا تقاس فقط بعدد الجامعات، ولا بعدد الطلاب، وإنما بقدرة النظام التعليمي على حماية حقوق الطالب، وضبط المؤسسات، وتطبيق القانون، وإنتاج بيانات موثوقة، وبناء مؤهلات قابلة للاعتراف محلياً ودولياً.
ومن هنا نقول:
الرقم الجامعي حق قائم، وحماية هذا الحق مسؤولية مشتركة.
والمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة استكمال الإجراءات، ومحاسبة التقصير، وحماية المستحق، ومنع المخالفات، والتحول الرقمي.
فالطالب السوداني يستحق تعليماً لا تضيع فيه سنواته بسبب خطأ إداري، وجامعات تستند إلى نظم مؤسسية حديثة، ووزارة تنظر إلى القصور باعتباره فرصة للإصلاح والتطوير.
وإذا كان الهدف هو عولمة الجامعات السودانية، فإن الطريق يبدأ من الداخل: من القبول الصحيح، والتسجيل الصحيح، والبيانات الصحيحة، والشهادة الموثقة، والإدارة التي تحترم حق الطالب.
الوطن يستحق تعليماً عالياً يواكب العالم… ويحمي أبناءه… ويضع المستقبل أمامه لا خلفه.







إرسال تعليق