بعد أن يصمت كل شيء… أيُّ حياةٍ نختار؟ عندما يتحقق السلام… ماذا نحكي لأنفسنا؟

  • بتاريخ : 23 أغسطس، 2026 - 12:57 م
  • الزيارات : 12
  • بقلم / د. مختار خضر بشراب

    عندما يتحقق السلام، ستحدث أشياء لا علاقة لها بالسياسة، ولن تظهر في البيانات الرسمية، ولن تحتاج إلى منصات احتفال. سيحدث شيء هادئ في داخل الإنسان؛ سيجد نفسه للمرة الأولى منذ زمن طويل أمام يوم لا يفرض عليه كيف يعيشه. لن يكون عليه أن يحسب المسافة بينه وبين الخطر، أو أن يؤجل فكرة لأنه لا يعرف ماذا سيحدث غدًا، أو أن يتعامل مع الحياة باعتبارها سلسلة من الاحتمالات التي ينبغي الحذر منها. سيصبح الغد، ببساطة، غدًا. وربما تكون هذه أبسط صورة للسلام، وأكثرها عمقًا: أن يستعيد الإنسان حقه في أن يعيش يومه دون أن يشعر بأن عليه أن يعتذر للمستقبل لأنه لم يعد قادرًا على الوثوق به.
    لكن ماذا سيفعل الإنسان بكل ذلك الوقت الذي كان يستهلكه الخوف؟
    هذا سؤال قد يبدو غريبًا، لكنه ربما يكون من أهم أسئلة ما بعد السلام. فقد اعتدنا خلال السنوات القاسية أن نعيش وفق الضرورة: ماذا نفعل الآن؟ أين نذهب؟ كيف نعبر هذه المرحلة؟ كيف نحمي من نحب؟ وحين تنتهي الضرورة، سنكتشف أن الحياة أوسع من مجرد النجاة. ستعود إلينا أسئلة ظلت مؤجلة: ماذا نريد؟ ماذا نحب؟ ماذا نستطيع أن نصنع؟ وأي حياة نريد أن نعيشها؟ وربما تكون هذه أول مرة منذ زمن طويل يصبح فيها الإنسان مسؤولًا عن اختيار حياته، لا مجرد الاستجابة لما تفرضه الظروف.
    وهنا قد تبدأ المفاجأة الحقيقية. سنكتشف أن السلام لا يعيد الزمن الذي مضى، ولا يعيد الإنسان إلى النقطة التي توقف عندها قبل الحرب. هناك أشياء تغيرت فينا إلى الأبد، وأحلام لم تعد كما كانت، وأشخاص أصبحوا جزءًا من الذاكرة، وأعمار مرت دون أن تستأذن أحدًا. ولذلك فإن العودة إلى الحياة لن تكون عودة إلى الوراء، وإنما محاولة لفهم ما تبقى أمامنا. وربما يكون النضج الحقيقي الذي يخرج من هذه التجربة هو أن نتوقف عن سؤال أنفسنا: لماذا حدث كل هذا؟ ونبدأ بالسؤال الأكثر فائدة: ماذا سنفعل بما حدث لنا؟
    قد نكتشف أيضًا أن كثيرًا من الأشياء التي كنا نعتقد أنها ضرورية لم تكن كذلك، وأن أشياء صغيرة أهملناها كانت في الحقيقة جوهر الحياة. جلسة عادية مع الأسرة، حديث طويل مع صديق، طريق نمشيه دون استعجال، كتاب نقرأه دون أن تقطعنا الأخبار، ضحكة تأتي في وقتها ولا نشعر بعدها بالذنب لأننا سعداء. الحرب تجعل الإنسان يكتشف قيمة الأشياء بعد أن يفقد القدرة على ممارستها، والسلام يمنحه فرصة لأن يمارسها مرة أخرى دون خوف. ولهذا قد لا تكون أعظم هدايا السلام في الأشياء الكبيرة التي نراها، بل في التفاصيل التي تعود إلى حياتنا فنكتشف أنها كانت وطنًا صغيرًا داخل الوطن.
    وسيكون علينا كذلك أن نتصالح مع فكرة أن الحياة لن تمنحنا تعويضًا كاملًا عما مضى. هذه حقيقة مؤلمة، لكنها ضرورية. هناك سنوات لا تعود، وأشخاص لن يعودوا، وفرص انطفأت، وأشياء كان ينبغي أن تحدث ولم تحدث. السلام ليس آلة لاسترجاع الزمن. لكنه يمنحنا شيئًا آخر أكثر أهمية: فرصة ألا نسمح لما فقدناه أن يقرر شكل ما تبقى. فالحزن إذا تحول إلى إقامة دائمة في الماضي يستطيع أن يسرق المستقبل أيضًا، أما إذا حملناه باعتباره جزءًا من قصتنا دون أن نجعله صاحب القرار فيها، فإنه يتحول من قيد إلى معنى.
    ومن هنا ربما تبدأ علاقتنا الجديدة بأنفسنا. لن نحتاج بعد السلام إلى أن نثبت شيئًا لأحد. لا نحتاج إلى أن نعيش بقسوة كي نثبت أننا صمدنا، ولا أن نخفي تعبنا لأن الآخرين يعتقدون أننا نجونا. سيكون من حق الإنسان أن يكون ضعيفًا أحيانًا، وأن يفرح دون تفسير، وأن يبدأ من جديد حتى لو تأخر، وأن يغير طريقه، وأن يعترف بأنه لا يعرف الإجابة. فبعد كل ما مررنا به، ربما يكون من علامات العافية أن نسمح لأنفسنا بأن نكون بشرًا مرة أخرى، لا مجرد أشخاص نجحوا في عبور العاصفة.
    وسيأتي وقت يصبح فيه السؤال عن المستقبل مختلفًا. لن يكون: متى تنتهي الأزمة؟ ولا: ماذا سيحدث غدًا؟ وإنما: ماذا يمكن أن نصنع نحن؟ وهذه النقلة في التفكير قد تكون أهم ما يتركه السلام في وجدان المجتمع. أن يتحول الإنسان من انتظار ما سيحدث إلى التفكير فيما يستطيع أن يحدثه، ومن مراقبة العالم إلى المشاركة في صنعه، ومن استهلاك الأخبار إلى صناعة الحياة. عندها يصبح المستقبل مساحة مفتوحة للاختيار، لا مجرد موعد ننتظره.
    وربما لهذا السبب لن يكون الاحتفال الحقيقي بالسلام في يوم توقيعه، وإنما في الأيام العادية التي ستأتي بعده. في صباح لا يحمل خبرًا مفزعًا، وفي طفل يخطط لما سيصبح عليه عندما يكبر، وفي شاب يفكر في مشروعه بدل طريق الهروب، وفي أسرة تتحدث عن العام القادم بثقة، وفي إنسان يكتشف أنه يستطيع أن يختلف مع غيره ثم يعود إلى بيته دون أن يحمل معه خوفًا أو كراهية. هناك، في تلك التفاصيل التي تبدو عادية، سيعرف الناس أن شيئًا جوهريًا قد تغير.
    أما السودان نفسه، فربما يحتاج بعد السلام إلى شيء أبعد من محاولة استعادة صورته القديمة. ربما يحتاج إلى أن يسمح لأجياله الجديدة بأن تصنع صورتها الخاصة عنه. جيل لم يعد يريد أن يرث كل شيء كما هو، ولا أن يعيش أسيرًا لما قيل له عن الماضي، وإنما يريد أن يعرف وطنه من خلال ما يستطيع أن يضيفه إليه. وهذا لا يعني نسيان التاريخ، بل يعني ألا يتحول التاريخ إلى سقف منخفض يحول دون تخيل المستقبل.
    وعندما نسأل أنفسنا يومها: ماذا نحكي؟ ربما لن تكون لدينا قصة واحدة نحكيها. سيكون لكل إنسان حكايته الخاصة، لكن بينها خيط واحد: أننا تعلمنا أن الحياة أكبر من اللحظة التي كادت تختصرها الحرب. وأن الإنسان يستطيع، رغم كل ما يأخذه منه الزمن، أن يقرر في لحظة ما ألا يمنح خساراته بقية عمره.
    لذلك، عندما يتحقق السلام، لن يكون أهم ما نفعله أن نعلن أن صفحة قد أُغلقت. فبعض الصفحات لا تُغلق، وإنما تُقرأ حتى نفهمها ثم نضعها في مكانها الصحيح. الأهم أن نفتح صفحة لا تشبه ما قبلها؛ صفحة لا يكون فيها السؤال عن كيفية النجاة، وإنما عن كيفية الحياة.
    فماذا نحكي لأنفسنا عندما يتحقق السلام؟
    نحكي أننا تأخرنا كثيرًا، وخسرنا كثيرًا، وتغيرنا كثيرًا… لكننا وصلنا إلى اللحظة التي أصبح فيها المستقبل ملكًا لنا مرة أخرى.
    ثم نبدأ.
    ليس بإعادة ما كان.
    وليس بمحاولة استرداد السنوات التي مضت.
    بل بأن نسأل أنفسنا للمرة الأولى، دون خوف:
    إذا كانت الحياة قد أعطتنا فرصة أخرى… فماذا نريد أن نفعل بها؟