بقلم/ د. سعاد فقيري
هناك أزمات يمكن أن نحتملها أياماً، وأخرى يمكن إصلاح آثارها بعد أسابيع، لكن هناك أزمات إذا تأخرنا في التعامل معها فقد نخسر ما لا يمكن تعويضه.
ومن هنا نسأل معالي وزير الطاقة والنفط ومعالي وزير الزراعة والري: أين أنتم من نخيل الشمال؟
السؤال ليس سياسياً، ولا هو بحث عن شماعة لتعليق الأخطاء عليها، وإنما سؤال مواطن يعرف أن السودان اليوم يخوض معركة إعادة البناء والإنتاج، وأن الزراعة هي إحدى أهم ركائز هذه المعركة.
لقد تابع السودانيون بفرح وصول قطع الغيار والمعدات الخاصة بإصلاح كهرباء سد مروي، بعد التحرك لاستجلابها من الصين، والجهود التي بذلها طاقم سفارتنا هناك.
وكان المشهد باعثاً على الأمل: طائرة تصل، وصناديق تُنقل، ورافعات تعمل، وفنيون يستلمون المعدات، وفرق هندسية تستعد لإعادة الحياة إلى واحدة من أهم منشآت الكهرباء في السودان.
وتؤكد المعلومات المنشورة أن العطل الذي أصاب شبكة سد مروي أدى إلى تأثير واسع على ولايات بينها الشمالية ونهر النيل، وأن عودة جزء كبير من قدرة السد تمثل أهمية كبيرة للشبكة القومية.
لكن ماذا عن الزراعة؟
هنا تبدأ مسؤولية الوزير الآخر.
الكهرباء ليست مجرد إنارة
معالي وزير الطاقة…
حين تنقطع الكهرباء، لا ينطفئ المصباح فقط.
تتوقف الطلمبة.
وحين تتوقف الطلمبة:
ينقطع الماء.
وحين ينقطع الماء:
تعطش الأرض.
وحين تعطش الأرض:
يموت الزرع والنخل.
ولهذا فإن قضية الكهرباء في الشمالية ليست قضية فنية تخص وزارة الطاقة وحدها، وإنما قضية زراعية واقتصادية وأمن غذائي تخص وزارة الزراعة أيضاً.
وقد سبق أن أدت انقطاعات الكهرباء إلى توقف الري في مشروع القرير، وتسبب ذلك في حريق أتى على عشرات أشجار النخيل. كما أطلق مزارعون في مناطق من الشمالية تحذيرات من أضرار واسعة بسبب توقف الري.
يا معالي وزير الزراعة… أين وزارتكم؟
النخلة ليست مجرد شجرة.
في الشمالية، النخلة بيت ودخل وغذاء وتراث وذاكرة واقتصاد.
والنخلة التي تتعرض للعطش لا يمكن تعويضها في موسم واحد.
نحن نتحدث عن شجرة تحتاج سنوات حتى تبلغ مرحلة الإنتاج، وعن مزارع قد يكون دخله وأسرته ومستقبل أبنائه مرتبطاً بهذا النخل.
فإذا ماتت النخلة بسبب أزمة كهرباء، فمن يعوض صاحبها؟
وهل تستطيع الدولة أن تعيد له السنوات التي انتظرها حتى أصبحت نخلة مثمرة؟
لا.
ولهذا فإن حماية النخيل يجب أن تكون الآن، وليس بعد أن تتحول صور الأشجار اليابسة إلى خبر في وسائل الإعلام.
ومعالي وزير الطاقة… هل يكفي إصلاح سد مروي؟
قطع الغيار وصلت، والمهندسون يعملون، وهذا أمر يستحق الإشادة.
لكن السؤال الأكبر:
ماذا بعد عودة سد مروي؟
هل نعود إلى الوضع السابق وننتظر العطل القادم؟
أم نستغل هذه الأزمة لنؤسس لمنظومة كهربائية أكثر أمناً واستقراراً؟
الأزمة الأخيرة كشفت أن الاعتماد على مصدر رئيسي واحد دون بدائل كافية يجعل قطاعات كاملة من البلاد عرضة للشلل عندما يحدث عطل كبير. وقد أعلنت وزارة الطاقة بالفعل عن إجراءات لتوفير تغذية بديلة وربط الشبكات خلال فترة الأزمة.
إذن لماذا لا يكون الدرس المستفاد هو بناء بدائل دائمة، خصوصاً للمشروعات الزراعية؟
الشمس موجودة… فلماذا لا نستفيد منها؟
السؤال الذي يجب أن يكون على طاولة الوزارتين:
لماذا لا تتحول الولاية الشمالية إلى نموذج قومي للطاقة الشمسية الزراعية؟
لدينا الشمس.
ولدينا الأرض.
ولدينا النخيل.
ولدينا مشروعات زراعية.
ولدينا حاجة حقيقية إلى تشغيل طلمبات الري.
إذن لماذا لا نربط:
الشبكة القومية + الطاقة الشمسية + مولدات الجازولين الاحتياطية؟
لا نريد إلغاء الشبكة القومية، ولا نريد أن نستبدل الجازولين بالكامل، وإنما نريد ثلاث طبقات من الحماية حتى لا يتوقف الري إذا حدث عطل في مصدر واحد.
وهذا المشروع يمكن أن يبدأ بالمشروعات الأكثر تعرضاً للخطر، ثم يتوسع تدريجياً.
إلى الوزيرين معاً: اجلسا على طاولة واحدة
هذه الأزمة يجب أن تجمعكما، لا أن تجعل كل وزارة تنظر إلى المشكلة من زاوية اختصاصها فقط.
نريد لجنة مشتركة من:
وزارة الطاقة والنفط
وزارة الزراعة والري
الولاية الشمالية
وزارة المالية
المزارعين
الجهات الفنية المختصة بالطاقة الشمسية والري.
ومهمتها خلال فترة قصيرة أن تقدم:
خريطة بالمشروعات الزراعية الأكثر تعرضاً لخطر العطش.
حصر احتياجاتها العاجلة من الطاقة.
توفير مولدات احتياطية للمناطق الحرجة.
تركيب أنظمة طاقة شمسية لطلمبات الري.
وضع مخزون طوارئ من الوقود وقطع الغيار.
تحديد أولويات إعادة الكهرباء للمشروعات المنتجة.
إنشاء غرفة طوارئ مشتركة بين الطاقة والزراعة.
حصر خسائر المزارعين وتعويض المتضررين وفق الإمكانات والقانون.
وضع خطة طويلة المدى لتحويل الزراعة في الشمالية إلى زراعة مؤمّنة بالطاقة.
لا تنتظروا موت النخيل
معالي وزير الزراعة…
وزير الطاقة…
أنتم أمام مسؤولية مشتركة.
لا تنتظروا أن تصل إليكم صرخة المزارع بعد أن يموت نخله.
ولا تنتظروا أن تتحول أزمة الكهرباء إلى أزمة غذاء.
ولا تنتظروا أن تصبح الخسائر مليارات حتى نبدأ في الحديث عن الحلول.
لقد أعطتنا أزمة سد مروي إنذاراً مبكراً.
والحكومات الذكية لا تنتظر الكارثة الثانية حتى تتعلم من الأولى.
نحن سعداء بوصول قطع الغيار.
ونحن نشكر كل من ساهم في وصولها.
ونحن ننتظر عودة الكهرباء واستقرارها.
لكننا نريد أكثر من ذلك.
نريد سياسة جديدة تقول إن الكهرباء والزراعة ملف واحد عندما يتعلق الأمر بالإنتاج.
نريد أن تصبح النخلة جزءاً من منظومة الأمن القومي الغذائي.
نريد أن تصبح الشمس مورداً استراتيجياً للزراعة.
نريد أن يعرف المزارع أن الدولة لن تترك محصوله رهينة لعطل فني.
وأخيراً…
يا معالي الوزيرين…
أين أنتم من النخلة؟
النخلة لا تستطيع أن تكتب خطاباً.
ولا تستطيع أن ترفع لافتة احتجاج.
ولا تستطيع أن تطلب مقابلة الوزير.
لكنها تقف صامتة في أرض الشمال، تنتظر الماء.
فإن وصلها الماء، أعطت السودان تمراً وغذاءً ودخلاً وتراثاً.
وإن حُرمت منه…
فقد نخسر في أيام ما احتاجت النخلة إلى عقود حتى تمنحنا إياه.
لذلك نقولها بكل وضوح:
أصلحوا الكهرباء… وأنقذوا الزراعة.
أعيدوا التيار… قبل أن ينقطع عمر النخلة.
فالسودان الذي يريد أن يعيد بناء دولته بعد الحرب، لا يجوز أن يسمح بأن يموت نخيله بسبب غياب خطة طوارئ للطاقة.
هذه ليست قضية كهرباء فقط…
هذه قضية نخلة، ومزارع، وغذاء، واقتصاد، ومستقبل وطن.











إرسال تعليق