الاستثمار في اراضي مصنع سكر سنار

  • بتاريخ : 23 أغسطس، 2026 - 11:58 ص
  • الزيارات : 64
  • بقلم / دكتور الزبير حمزة الزبير يكتب

    إن الحديث عن الاستثمار في أراضي مصنع سكر سنار لا ينبغي أن يبدأ من السؤال التقليدي: من هو المستثمر الذي سيستغل هذه الأرض وإنما ينبغي أن يبدأ من سؤال أعمق وأكثر ارتباطاً بمستقبل المنطقة كيف يمكن أن تتحول هذه الأراضي إلى قاعدة إنتاج حقيقية تحقق التنمية وتحفظ حقوق العمال وتوفر فرص العمل وتعيد الحياة إلى النشاط الزراعي والصناعيي وتضمن أن تكون ثمار الاستثمار من نصيب المنطقة وأهلها قبل غيرهم
    فالأرض في منطقة مصنع سكر سنار ليست مجرد مورد اقتصادي يمكن التعامل معه باعتباره سلعة قابلة للبيع أو التأجير وإنما هي جزء من تاريخ اجتماعي واقتصادي طويل ارتبط بحياة السكان وذكرياتهم ومصادر رزقهم ومستقبل أجيالهم ولذلك فإن أي توجه جديد لاستثمار هذه الأراضي يجب أن يراعي هذه الحقيقة وأن ينظر إلى الأرض باعتبارها رأس مال إنتاجياً واجتماعياً في الوقت نفسه
    لقد كان إنشاء مصنع سكر سنار بالنسبة لأهل المنطقة مشروعاً يحمل آمالاً كبيرة فقد ارتبط في الوعي الشعبي بفكرة الانتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الحديثة ومن الاقتصاد المحدود إلى اقتصاد يرتبط بالصناعة ومن الإنتاج المحلي البسيط إلى منظومة إنتاج واسعة يمكن أن توفر فرصاً للعمل والدخل والخدمات وكان من الطبيعي أن يتطلع الناس إلى أن يؤدي وجود المصنع إلى تغيير حقيقي في حياتهم وأن تتحول الأرض إلى مصدر مستدام للرخاء والتنمية
    غير أن التجارب السابقة تجعل من الضروري إعادة النظر في مفهوم الاستثمار نفسه فالاستثمار الناجح لا يقاس فقط بحجم رأس المال الذي يدخل إلى المشروع ولا بعدد الأفدنة التي تتم زراعتها ولا بحجم الإنتاج الذي يخرج من المصنع وإنما يقاس أيضاً بما يتركه من أثر في المجتمع المحلي وبقدرته على خلق قيمة مضافة وتوفير وظائف وتنمية المهارات وتحسين البنية التحتية
    ومن هنا فإن أراضي مصنع سكر سنار يمكن أن تمثل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الأرض والاستثمار والمجتمع فبدلاً من أن تكون الأرض مجرد أصل تبحث الشركة عن مستثمر لاستغلاله يمكن أن تصبح أساساً لشراكة استثمارية حقيقية يدخل فيها اهل المنطقة كشركاء ويقدم المستثمر رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والإدارة بينما توفر الدولة البيئة القانونية والتنظيمية والبنية الأساسية اللازمة لنجاح المشروع
    هذا النموذج من الشراكة يمكن أن يغير بصورة جوهرية نظرة المجتمع إلى الاستثمار
    وتبرز هنا أهمية وضع إطار قانوني وتنظيمي خاص بالاستثمار في الأراضي الزراعية المرتبطة بالمشروعات الكبرى فالاستثمار في الأرض يختلف عن الاستثمار في مبنى أو مصنع أو منشأ فالأرض مورد ثابت لا يمكن نقله ولأن استخدامها يؤثر بصورة مباشرة في المجتمع والبيئة ومستقبل الأجيال ولذلك يجب أن تكون العقود المتعلقة بها واضحة ومحددة المدة وواضحة الحقوق والالتزامات
    ومن جهة أخرى فإن الاستثمار في أراضي مصنع سكر سنار يجب ألا يحصر في زراعة قصب السكر وحده فحتى إذا ظل قصب السكر أحد أهم المحاصيل المرتبطة بالمصنع فإن التفكير الاستثماري الحديث يتطلب النظر إلى كامل السلسلة الإنتاجية ابتداءً من الزراعة مروراً بالنقل والتصنيع وانتهاءً بالتسويق والتصدير والصناعات المرتبطة بالمنتج ومخلفاته
    فالزراعة الحديثة لا تعني مجرد زراعة المحصول وحصاده وإنما تعني بناء منظومة اقتصادية متكاملة حوله ويمكن أن تنشأ حول المشروع صناعات ومشروعات صغيرة ومتوسطة في مجالات التعبئة والتغليف والنقل والصيانة والخدمات الزراعية وإنتاج الأعلاف والطاقة والصناعات الغذائية وغيرها وكل مشروع من هذه المشروعات يمكن أن يوفر فرصاً جديدة للشباب وأبناء المنطقة
    وإذا كان مصنع السكر يمثل مركزاً صناعياً فإن الأراضي المحيطة به يمكن أن تكون قاعدة زراعية متنوعة تغذي صناعات متعددة ويمكن دراسة زراعة محاصيل نقدية وبستانية وغذائية وفقاً لطبيعة التربة وتوفر المياه والجدوى الاقتصادية والهدف ليس استبدال محصول بآخر بصورة عشوائية وإنما بناء تركيبة زراعية تحقق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة للأرض وتحافظ في الوقت نفسه على استدامة الموارد
    وهنا يظهر الفرق بين الاستثمار التقليدي والاستثمار التنموي فالاستثمار التقليدي قد يبحث عن أسرع عائد ممكن بينما الاستثمار التنموي ينظر إلى الأرض والمجتمع والمصنع والسوق باعتبارها عناصر مترابطة فإذا ارتفع إنتاج الأرض دون أن تتحسن حياة السكان بقيت التنمية ناقصة وإذا ازداد إنتاج المصنع دون وجود سوق كافية تعرض المشروع للخسارة وإذا زادت المساحات المزروعة دون إدارة رشيدة للمياه والتربة أصبحت التنمية نفسها تهديداً للمستقبل
    ولذلك فإن أي مشروع استثماري في أراضي مصنع سكر سنار يجب أن يقوم على دراسات جدوى حقيقية ومستقلة لا على مجرد تقديرات أو وعود وينبغي أن تتناول هذه الدراسات التربة والمياه والبنية التحتية والأسواق وتكاليف الإنتاج والأسعار والمخاطر والعمالة والآثار الاجتماعية والبيئية كما ينبغي أن تكون هناك دراسة واضحة للعائد المتوقع على المنطقة وليس فقط العائد المتوقع للمستثمر
    ومن المهم كذلك أن تكون للمجتمع المحلي حصة واضحة من المنافع الاقتصادية للمشروع فالاستثمار الذي يعمل وسط مجتمع فقير دون أن يغير شيئاً في مستوى الخدمات أو فرص العمل أو الدخل يصعب أن يكتسب قبولاً اجتماعياً دائماً أما عندما يرى المواطن أن المشروع وفر لأبنائه فرص العمل وفتح أمامهم مجالات التدريب ودعم الخدمات الصحية والتعليمية وساهم في تحسين الطرق والمياه والكهرباء فإنه يصبح شريكاً في حماية المشروع ونجاحه
    ان المسؤولية الاجتماعية للمستثمر يجب أن تكون جزءاً من العقد الاستثماري وخطة المشروع ويمكن تحديد نسبة أو آلية واضحة لتمويل مشروعات المسؤولية الاجتماعية مع وضع أولويات تحددها احتياجات المجتمع المحلي وبما يضمن أن تكون هذه المساهمات مستدامة وشفافة.
    كما أن أبناء المنطقة يجب أن يكونوا في مقدمة المستفيدين من فرص العمل وهذا لا يعني إقصاء الخبرات القادمة من خارج المنطقة فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى خبرات متنوعة وإنما يعني بناء برنامج لتأهيل أبناء المنطقة وتدريبهم حتى يصبحوا قادرين على شغل الوظائف الفنية والإدارية والهندسية والاقتصادية التي يوفرها المصنع
    فالاستثمار الناجح ليس أن يأتي المستثمر ليأخذ من الأرض وإنما أن يأتي ليضيف إليها وأن يخرج الجميع من المشروع أكثر قدرة على الإنتاج مما كانوا عليه قبل دخوله وعندما يصبح المواطن شريكاً والعامل منتجاً والمستثمر رابحا والمجتمع أكثر استقراراً عندها فقط يمكن القول إن الاستثمار قد حقق غايته الحقيقية وإن أرض مصنع سكر سنار أصبحت بالفعل أرضاً للتنمية.