بقلم: نجلاء كرار
كثيرًا ما نربط الحضارة بالأبراج الشاهقة، والطرق الواسعة، والتكنولوجيا المتقدمة، لكنني بعد سنوات من العيش بين مجتمعات وثقافات مختلفة، أدركت أن الحضارة الحقيقية لا تبدأ من الحجر، بل من الإنسان.
لقد عشت في السودان، ثم في جمهورية الدومينيكان، وأخيرًا في هولندا. وفي كل بلد تعلمت درسًا جديدًا. لم أبحث عن المجتمع الكامل، لأنه لا وجود له، لكنني كنت أراقب سلوك الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
لفت انتباهي أن احترام الإنسان هو القاسم المشترك في المجتمعات التي تنجح في بناء الاستقرار. احترام الوقت، واحترام الدور، واحترام القانون، واحترام العامل البسيط قبل المسؤول الكبير. ليست هذه مجرد قوانين مكتوبة، بل ثقافة تربى عليها الناس حتى أصبحت جزءًا من حياتهم.
وفي المقابل، نملك نحن شعوبنا إرثًا أخلاقيًا عظيمًا، ودينًا يدعو إلى الرحمة، والعدل، والرفق، وإكرام الإنسان. لكن المشكلة ليست في المبادئ، وإنما في المسافة بين ما نؤمن به وما نمارسه.
كم مرة نقرأ عن حسن الخلق، ثم نقسو في كلمة؟ وكم مرة نتحدث عن احترام الآخر، ثم نرفض الاختلاف؟ وكم مرة نطالب بالإصلاح، بينما نبدأ يومنا بمخالفة صغيرة نظنها لا تعني شيئًا؟
إن الأمم لا تتغير بالخطب وحدها، بل تتغير عندما يتحول الاحترام إلى عادة، والنظام إلى ثقافة، والرحمة إلى أسلوب حياة.
لقد تعلمت من أسفاري أن الإنسان المحترم يجعل أي مكان جميلًا، بينما الإنسان الذي يفتقد الذوق والرحمة قد يفسد أجمل الأماكن.
لسنا بحاجة إلى أن نصبح نسخة من أحد، ولا إلى أن نقلد الشرق أو الغرب، بل نحن بحاجة إلى أن نُحيي أجمل ما في قيمنا، وأن نترجمها إلى سلوك يراه الناس قبل أن يسمعوا عنه.
فالحضارة ليست عنوانًا يُكتب على بوابة مدينة، بل أخلاق تُرى في الشارع، وفي المدرسة، وفي الأسرة، وفي مكان العمل، وفي أبسط تفاصيل الحياة.
بقلم: نجلاء كرار











إرسال تعليق