بقلم / سمير سيد عثمان
“مصرف التنمية الصناعية”
في ظل الحاجة المتزايدة إلى موارد النقد الأجنبي ،، والظروف الاقتصادية التي يمر بها الوطن ،، وما تفرضه مرحلة إعادة الإعمار من ضرورة توفير موارد حقيقية تدعم الاقتصاد ،، ربما حان الوقت لإعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع تحويلات المغتربين ..
ليس باعتبارها مجرد أموال تصل إلى أسرهم ،، وإنما كمورد وطني مهم يمكن أن يسهم ،، عبر القنوات المصرفية الرسمية ،، في دعم الاقتصاد وتمويل احتياجات إعادة الإعمار ..
ومن هنا فإن التحدي لا يتمثل فقط في كيفية جذب هذه التحويلات ،، بل في كيفية إعادة بناء الثقة بين المغترب والقطاع المصرفي ..
فالمشكلة في جوهرها ليست دائماً في حجم الحافز بل في مقدار الثقة التي يشعر بها المغترب عندما يرسل أمواله عبر القنوات الرسمية ..
لم يعد كافياً أن نرفع قيمة الحوافز أو نطلق حملات إعلامية جديدة كل عام بينما تظل تجربة المغترب مع البنك مثقلة بالانتظار والتعقيدات ويظل السؤال الأهم بالنسبة إليه بلا إجابة واضحة : كم سأرسل؟ وكم سيصل إلى أسرتي؟ ومتى سيصل؟ وهل أستطيع أن أطمئن إلى قيمة أموالي وأتابع مسارها؟
فالحافز مهما بلغ يظل مؤقتاً ،، أما الثقة فهي التي تصنع علاقة مستدامة ..
والمغترب الذي لا يطمئن إلى سرعة الخدمة أو وضوحها أو سلامة أمواله لن تغريه الحوافز وحدها بالعودة إلى القطاع المصرفي ..
إن استعادة المغترب تبدأ من أبسط التفاصيل : أن يحوّل اليوم فيطمئن إلى أن أمواله ستصل إلى أهله في الوقت المناسب ،، وبالقيمة المتفق عليها ،، دون خصومات مفاجئة أو إجراءات معقدة ..
لكن المطلوب أكبر من مجرد تحويل سريع ..
فالمغترب لا يرسل أمواله فقط لتغطية احتياجات يومية ،، بل ليصنع بها مستقبلاً ..
ومن هنا يمكن للمصارف أن تعيد تعريف دورها فلا تكون مجرد قناة تمر عبرها الأموال ،، بل شريكاً يساعد المغترب على تحويل سنوات الغربة إلى إنجاز ملموس في وطنه ..
فبدلاً من أن يكون التحويل مجرد مبلغ يصل إلى حساب أحد أفراد الأسرة يمكن للمصارف تطوير منصات إلكترونية وخدمات مالية متكاملة تتيح للمغترب توجيه أمواله إلى غايات محددة ،، ومتابعة استخدامها بكل وضوح وشفافية ..
فيستطيع عبر تطبيق مصرفي أن يخصص تحويلاته لتمويل بناء منزل تُدفع مستحقاته على مراحل وفق فواتير واضحة ،، أو سداد رسوم تعليمية تُحوّل مباشرة إلى المؤسسة التعليمية ،، أو تغطية تكاليف علاج ،، أو دعم مشروع صغير لأحد أفراد أسرته ..
وهكذا يعرف المغترب مسبقاً أين تذهب أمواله ،، ويتابع العملية إلكترونياً ،، ويتلقى إشعارات وإيصالات تثبت تنفيذ المدفوعات ..
هذه الفكرة لا تعني أن يتحول البنك إلى مقاول أو مؤسسة تعليمية ،، بل أن يقوم بدوره الطبيعي كمنصة مالية موثوقة ،، تربط المغترب بأسرته ومقدمي الخدمات داخل الوطن ،، وتمنحه القدرة على إدارة أمواله من مكان إقامته بأكبر قدر ممكن من السهولة والأمان ..
بل يمكن أن تتجاوز الفكرة التحويل إلى إدارة الثروة والمدخرات ،، فيصبح المصرف الحديث منصة متكاملة تساعد المغترب على إدارة علاقته المالية بوطنه ،، من خلال خدمات الادخار والاستثمار والتمويل العقاري والتعليمي والتأمين ،، وغيرها من الخدمات التي تجعله قادراً على التخطيط لمستقبله ومستقبل أسرته حتى وهو بعيد عن وطنه ..
وعندها يصبح الحساب المصرفي أداة لتحويل مدخرات سنوات الغربة إلى أصول واستثمارات قابلة للنمو ..
ومن الآليات التي يمكن أن تسهم في تعزيز ثقة المغتربين بالقطاع المصرفي وتشجيعهم على توجيه تحويلاتهم عبر القنوات المصرفية الرسمية ،، استحداث منتج مصرفي تحفيزي يُبنى على أساس الاحتفاظ بنسبة محددة من قيمة التحويلات الواردة ،، ولتكن في حدود 10% ،، في صورة وديعة استثمارية أو حساب ادخاري مخصص باسم العميل ،، بحيث تتراكم هذه المدخرات بصورة منتظمة وتظل محفوظة لصالحه وفق ضوابط واضحة ومعلنة ..
ومع بلوغ إجمالي تحويلات العميل أو مدخراته حدًا معينًا تحدده لاحقًا اللوائح والضوابط المصرفية ،، يمكن أن يُمنح العميل حق الاستفادة من تمويل مصرفي يتناسب مع حجم المبلغ المدخر ،، سواء بضمان هذه الوديعة أو وفق صيغة تمويلية مناسبة ،، وبشروط ميسرة وتفضيلية تشجيعية .. ومن شأن مثل هذا المنتج أن يحول العلاقة بين المغترب والمصرف من مجرد علاقة لتحويل الأموال إلى شراكة مالية قائمة على الادخار والاستثمار والاستفادة من الخدمات المصرفية ،، بما يعزز ثقة العميل في الجهاز المصرفي ويشجعه على الاستمرار في استخدام القنوات الرسمية وتحويل مدخراته من الخارج عبر النظام المصرفي ..
ومن هذا المنطلق يمكن للمصارف أن تفتح آفاقاً أوسع عبر بناء شراكات حقيقية مع القطاعين العام والخاص تتيح للمغترب الوصول إلى فرص شراء الأراضي والمساكن والاستثمار في أدوات مالية وتنموية مناسبة ،، والمساهمة في تمويل المشروعات الإنتاجية وفق أطر قانونية واضحة وضمانات تحفظ حقوقه ..
وبذلك تتحول مدخرات المغتربين التي يذهب جزء كبير منها اليوم إلى الاستهلاك إلى قوة تمويلية تساهم في بناء الاقتصاد وتحريك عجلة الإنتاج وخلق فرص العمل ..
لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية وربما يمثل أحد أكبر محددات قرار المغترب وهو استقرار سعر الصرف وقيمة أمواله ..
فالمغترب يريد أن يعرف ماذا سيصل إلى أسرته وما القيمة الحقيقية لما يرسله وما إذا كان يستطيع التخطيط بثقة ..
وكلما كانت الصورة أوضح وأكثر استقراراً تراجعت دوافع اللجوء إلى السوق الموازي ..
ومن هنا فإن الثقة لا تُبنى داخل المصرف وحده ؛ فحتى أفضل التطبيقات لن تكون كافية إذا ظل المغترب قلقاً بشأن استقرار قيمة مدخراته ،، أو يخشى صعوبة الوصول إليها ،، أو يواجه بيئة مالية تتغير قواعدها بصورة يصعب التنبؤ بها ..
إن استعادة الثقة تتطلب إلى جانب تطوير الخدمات المصرفية ،، بيئة اقتصادية أكثر استقراراً ،، وسياسات نقدية واضحة ،، ولوائح شفافة ،، ونظاماً مالياً يحفظ القيمة ويمنح المغترب القدرة على التصرف بيسر وأمان ..
فالثقة المصرفية ليست منتجاً تقدمه البنوك وحدها ،، وإنما هي نتيجة لمنظومة اقتصادية ومؤسسية متكاملة ..
وليس هذا الطرح مجرد تنظير ،، فهناك تجارب عربية رائدة تؤكد أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتقديم خدمات متطورة للمغتربين يمكن أن يحقق قفزات نوعية في حجم التحويلات الرسمية ..
ففي الأردن ومصر والمغرب ،، أسهمت السياسات النقدية الواضحة والمنتجات البنكية الجاذبة في رفع التحويلات إلى مستويات قياسية ،، وجعلتها مصدراً رئيسياً للدخل القومي ..
وفي المقابل تقدم تجربة لبنان درساً مؤلماً في عواقب فقدان الثقة ،، حيث انهارت القنوات الرسمية رغم حجم التحويلات الكبير ..
أما دول الخليج فتُصدر تحويلات المغتربين بأرقام ضخمة تؤكد حجم الثروة التي تديرها أنظمتها المصرفية المتطورة ..
فهذه التجارب جميعها تؤكد أن الثقة ليست شعاراً ،، بل نتيجة طبيعية لسياسات نقدية واضحة وخدمات مصرفية متطورة ومنتجات مالية تلبي احتياجات المغترب الحقيقية ..
ولهذا فإن استعادة تحويلات المغتربين لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها قضية مصرفية فقط ،، بل كمشروع وطني تتقاطع فيه مسؤوليات المصارف والبنك المركزي وجهاز المغتربين ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص ..
ويتطلب ذلك وضع إطار تشريعي ومؤسسي متكامل يسهل حركة التحويلات ،، ويحفز استخدام القنوات الرسمية ،، ويوفر بيئة أكثر جاذبية للاستثمار ..
كما أن التحول الرقمي يجب أن يكون جزءاً من هذه الرؤية ،، لا مجرد انتقال إلى تطبيقات ومنصات إلكترونية ،، بل فرصة حقيقية لتجاوز الحواجز الجغرافية والإجرائية ،، مع انفتاح مصرفي مدروس يوازن بين الرقابة والاستقرار المالي من جهة ،، واحتياجات المغتربين من جهة أخرى ..
وعلى المصارف أن تسأل نفسها بوضوح : ماذا سنقدم للمغترب عندما يعود؟ هل سيجد نظاماً إلكترونياً يعمل بكفاءة؟ هل يستطيع فتح حسابه والوصول إلى خدماته من مكان إقامته؟ هل يستطيع توجيه أمواله إلى احتياجات أسرته ومشروعاته ،، ويدخر ويستثمر ويمول منزله وتعليم أبنائه دون إجراءات معقدة؟ وهل سيجد بيئة مصرفية تحفظ حقوقه وتعامله كشريك ،، لا كمصدر للعملة؟
إن المغترب لا يحتاج إلى مناشدته بقدر ما يحتاج إلى أن يجد أمامه مصرفاً يستحق ثقته ،، ونظاماً اقتصادياً يمنحه القدرة على التخطيط لمستقبل أمواله ..
فالرهان الحقيقي اليوم ليس على حافز أعلى ،، بل على خدمة أفضل وليس على حملة إعلامية ،، بل على تجربة مصرفية تستحق الثقة ؛ وليس على استقطاب التحويلات فقط ،، بل على بناء علاقة مالية مستدامة مع المغترب ..
فإذا نجحت المصارف بالتعاون مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في تقديم خدمات حديثة وشفافة ،، وربط التحويلات باحتياجات حقيقية ،، وفتح مسارات للادخار والاستثمار ،، فإن العودة إلى القطاع المصرفي ستصبح نتيجة طبيعية ،، لا حملة مؤقتة ..
وعندها ستتحول تحويلات المغتربين من مجرد مصدر للنقد الأجنبي إلى أحد روافع التنمية الوطنية ،، تمول السكن والتعليم والعلاج ،، وتدعم المشروعات الإنتاجية ،، وتساهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو ..
وفي المقابل فإن الرسالة إلى المغترب واضحة : وطنك يحتاج إلى أموالك ،، وأموالك تحتاج إلى نظام مالي يحفظها ويمنحك القدرة على إدارتها ويجعلها أكثر قدرة على صناعة المستقبل ..
فمتى وجد خدمة تحفظ كرامته وتوفر له السرعة والوضوح والأمان ،، وتمنحه خيارات حقيقية للادخار والاستثمار ،، فستصبح القنوات الرسمية خياره الطبيعي ،، لا لأنه تلقى حافزاً مؤقتاً ،، بل لأنه وجد فيها الأمان والجدوى ..
نحن بحاجة اليوم إلى إعادة بناء هذه العلاقة من الطرفين : مصارف تصغي وتطور ،، ومؤسسات تهيئ البيئة المناسبة ،، وتشريعات تحمي الحقوق ،، ونظام مالي يوفر الشفافية والاستقرار ،، ومغترب يمنح القنوات الرسمية فرصة حين يجد فيها الأمان والجدوى ..
فالمغترب ليس مجرد رقم في ميزان التحويلات ،، والبنك ليس مجرد بوابة لعبور الأموال ..
خلف كل تحويل قصة غربة ،، وأسرة تنتظر ،، وبيت يُبنى ،، وطالب يكمل تعليمه ،، ومريض يحتاج إلى العلاج ،، وحلم يريد صاحبه أن يراه يتحقق في وطنه ..
وخلف كل مدخرات أيضاً فرصة يمكن أن تتحول إلى مشروع ،، أو أصل ،، أو استثمار،، أو قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ..
لذلك فإن استعادة تحويلات المغتربين لن تبدأ من الحافز الأكبر ،، بل من الثقة الأكبر ..
فلنجعل العودة إلى القطاع المصرفي خياراً يستحقه المغترب ويختاره بإرادته ،، ولنجعل من تحويلاته جسراً حقيقياً بين سنوات غربته وأحلام أسرته ومستقبل وطنه ..
ولنجعل من المصارف أكثر من مجرد قنوات للتحويل ،، بل شركاء في إدارة ثروة المغترب ،، ومن تحويلاته أكثر من مجرد أموال تصل إلى الوطن ،، بل رأس مال يساهم في بناء مستقبل الوطن .
سمير سيد عثمان
مصرف التنمية الصناعية
الجمعة 24 يوليو 2026م











إرسال تعليق