نبض للوطن|| أحمد يوسف التاي
(1)
قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه من أفضل القوانين على الإطلاق في مجال صيانة المال العام وحمايته من السرقة، فالقانون يُلزم كل مسؤول تقلد منصباً دستورياً أن يكشف عن كل ممتلكاته قبل المنصب الحكومي ، وممتلكاته بعد الاستقالة من المنصب… قانون الثراء في تقديري يعتبر من أهم القوانين التي تصلح لمحاربة ظاهرة استغلال النفوذ والانتفاع من السلطة والرضاعة من ثديها دون وجه حق، فهو قانون يقطع السبيل للثراء الحرام والمشبوه، لكن للأسف أُفرغ القانون من مضمونه وأهدافه، وخلعوا أسنانه بشيء إسمه (التحلل) الذي يجعل للصوص المال العام مخرجا من المحاسبة..يسرق ويسرق، حتى إذا ما انكشف ذهب سرا الى النيابة واعترف ببعض المسروقات، وأعادها سرا وعُفي من المحاكمة..لكن أخطر تحدي يواجه قانون مكافحة الثراء الحرام هو الفساد المنظم، او فساد المنظومة كلها أو قل فساد الدولة، حينها ستكون المنظومة كلها ضد قانون مكافحة الثراء الحرام..
(2)
إن أهمية هذا القانون تأتي في السؤال الشرعي الصادم الذي يطرحه القانون لكل من أثرى ثراءً حراماً (من أين لك هذا؟)، فهو أفضل قانون للمحافظة على المال العام وحمايته وذلك لما اشتمل عليه من (إقرار الذمة) للمسؤولين، وتدوين لممتلكاتهم لتكون معلومة لكل الناس. لكن للأسف الشديد هناك (تهرُب متعمد) من كشف ممتلكات المسؤولين وهو أمر واجب وقانوني ، فأي مسؤول وفقا لهذا القانون ملزم بكشف ممتلكاته قبل وبعد المنضب سواء أكان رئيس دولة أو معتمد في محلية ..
كان في السابق قلة قليلة جداً تقوم بإقرار الذمة وتملأ الاستمارة التي تبين ما يملكه المسؤول..
(3)
في رأيي إذا تم تفعيل هذا القانون وتطبيقه على النحو الأفضل لن نحتاج إلى مفوضية لمكافحة الفساد، ولا آلية جديدة، ولا محاكم خاصة بقضايا الفساد…
لكن هل تسطيع السلطة القائمة تفعيل هذا القانون ؟ ومن سيكون مستعدا لكشف ممتلكاته ؟ هل تستطيع تطبيق مبدأ السؤال المشروع :”من أين لك هذا” للكبير والصغير والغفير والمدير…
أكاد أجزم أنه لا أحد من المسؤولين الآن ملأ استمارة إقرار ذمة وكشف ممتلكاته حين تسلم المنصب..لكن لماذ؟ أليس هذا قانونا ملزما؟ لماذا تطبق السلطات السياسية والعدلية القوانين، وتجهل أخرى؟ أليست كلها قوانين سائدة وعاملة ملزمة؟..(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)..
(4)
لقد كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يحرص على إحصاء مال الولاة قبل التعيين، ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية، إن تجاوز حد الزيادة المعقولة ويرفض حجة من يتعلل بتجارة! قائلاً له: (بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً) ويلح دائماً على أصحابه قائلاً: (دلوني على رجل أستعمله) ويسألوه: ما شرطك فيه؟ ويقول لهم: (إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم)…
كما كان يأمر الولاة بعد انتهاء ولاياتهم أن يعودوا إلى دورهم نهاراً لا ليلاً ليقف الجميع على ما عادوا به.
حين انتهى ابناه عبد الله وعبيد الله من خدمتهما العسكرية بالعراق، وهما بالرجوع إلى المدينة أراد والي البصرة أبو موسى الأشعري إكرام وفادتهما قائلاً: لو أقدر على أمر أنفعكم به؟ ثم عرض عليهما أن يحملا مال الله إلى أبيهما، ونصحهما بأن يشتريا به متاعاً من العراق يبيعانه بالمدينة، ثم يؤديان رأس المال لبيت المال وينتفعان بالربح! وعلم عمر (رضي الله عنه) بالسالفة وسألهما: أكل الجيش أسلفه؟ ثم أمرهما أن يؤديا المال وربحه لبيت مال المسلمين!…أظن أن الوقت الآن مناسب ومبرر جداً لجمع كل الذين اُثروا في هذا العهد ، ومساءلتهم عن مصدر ثرائهم، شريطة أن يتم ذلك بصوة شاملة لا انتقاء فيها ولا تصفية حسابات…. اللهم هذا قسمي فيما املك.
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق