من سرق ثروة السودان؟..عندما تلتقي أخطاء الداخل بمصالح الخارج

  • بتاريخ : 22 يوليو، 2026 - 1:27 م
  • الزيارات : 28
  • بقلم: م م الامام عبداللطيف الاماك

    ليس المقصود بهذا السؤال توجيه الاتهام إلى شخص بعينه، أو إلى حكومة بعينها، وإنما دعوة إلى مواجهة الحقيقة بشجاعة. فعندما تمتلك دولة بحجم السودان كل هذه المقومات الاقتصادية، ثم تجد نفسها غارقة في الأزمات والحروب والانهيار الاقتصادي، يصبح من حق كل سوداني أن يتساءل: من سرق ثروة السودان؟
    لقد اعتاد كثيرون أن يصفوا السودان بأنه بلد فقير، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فالسودان من أغنى الدول العربية والإفريقية بالموارد الطبيعية. فهو يمتلك
    • ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة،
    • ⁠ومياه النيل وروافده،
    • ⁠وثروة حيوانية هائلة،
    • ⁠واحتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن،
    • ⁠إضافة إلى موقع إستراتيجي يربط بين إفريقيا والعالم العربي ويطل على البحر الأحمر.
    هذه ليست مواصفات دولة فقيرة، بل مواصفات دولة كان يمكن أن تكون من أكبر الاقتصادات في القارة الإفريقية.
    لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: *لماذا لم تتحول هذه الثروات إلى رخاء؟ ولماذا لم يشعر المواطن السوداني بعائداتها؟*
    الحقيقة أن ثروة السودان لم يسرقها شخص واحد، ولم تبددها حكومة واحدة، وإنما إستنزفتها عقود من الصراعات، والانقسامات السياسية، وضعف مؤسسات الدولة، وسوء الإدارة في مراحل مختلفة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وتعثر مشاريع التنمية، وهجرة الكفاءات، إضافة إلى الفساد حيثما وجد، وهو آفة لا ترتبط ببلد دون آخر.
    لقد إستهلكت الحروب موارد الدولة، وأضعفت الإقتصاد، وأبعدت المستثمرين، وأوقفت الإنتاج، وأصبح الإنفاق على الصراع يتقدم على الإنفاق على الإنسان، حتى تحولت التنمية إلى مشروع مؤجل عامًا بعد عام.
    لكن الصورة لن تكون مكتملة إذا تجاهلنا العامل الخارجي.
    فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية وإمكاناته الإقتصادية، ظل لعقود محل إهتمام وتنافس إقليمي ودولي. وتقاطعت على أرضه مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، ولم تكن جميعها تصب في مصلحة إستقرار السودان أو ازدهاره.

    وفي مراحل مختلفة، أسهمت تدخلات خارجية في تعقيد المشهد، من خلال دعم أطراف متنازعة، أو السعي إلى حماية مصالح إستراتيجية، أو التأثير في مسارات سياسية واقتصادية. وعندما تلتقي هذه التدخلات مع إنقسامات داخلية وضعف في مؤسسات الدولة، تكون النتيجة إطالة أمد الأزمات وإستنزاف مقدرات الوطن.
    ومع ذلك، فإن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حدث سيكون هروبًا من الحقيقة. فالتدخل الخارجي لا يجد طريقه إلا عندما يكون الداخل منقسمًا، وعندما تضعف الدولة وتغيب المؤسسات القادرة على حماية القرار الوطني.
    لقد أثبت التاريخ أن الدول القوية لا تحميها ثرواتها فقط، وإنما تحميها مؤسساتها، وسيادة القانون، ووحدة شعبها، وكفاءة إدارتها.

    وكان الذهب السوداني قادرًا على أن يكون ركيزة للنمو الاقتصادي، لو أحسن تنظيم قطاع التعدين وتعظيم القيمة المضافة له. وكانت الزراعة قادرة على أن تجعل السودان سلة غذاء حقيقية للمنطقة، لو توافرت لها البنية التحتية والتمويل والتقنيات الحديثة. وكانت الثروة الحيوانية قادرة على مضاعفة عائداتها لو إنتقلت البلاد من تصدير المواد الخام إلى التصنيع والتصدير بقيمة مضافة.

    إن المشكلة لم تكن في قلة الإمكانات، بل في ضعف القدرة على تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة.
    واليوم، وبعد ما مر به السودان من تحديات جسام، لم يعد الحديث عن إعادة الإعمار كافيًا. فالمطلوب أولًا إعادة بناء الدولة نفسها؛ دولة تقوم على المؤسسات، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة، وإدارة الموارد وفق رؤية وطنية طويلة المدى.
    إن إستعادة ثروة السودان لا تعني فقط إستخراج مزيد من الذهب، أو زيادة الإنتاج الزراعي، بل تعني إستعادة الثقة في الدولة، وإصلاح الإدارة العامة، وجذب الإستثمار، وتمكين القضاء، ومحاربة الفساد، وترسيخ مبدأ أن موارد السودان هي ملك لجميع السودانيين.
    ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع:
    *هل سنواصل البحث عن من سرق ثروة السودان، أم سنبدأ أخيرًا في بناء دولة تمنع سرقة ثرواتها مرة أخرى؟*
    إن الأمم لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما تنهض بالإرادة، وبالإدارة الرشيدة، وبالمؤسسات القوية، وبالقدرة على تحويل الثروة إلى تنمية، والتنمية إلى استقرار، والاستقرار إلى مستقبل يليق بأبناء الوطن.
    *إن السودان لا تنقصه الثروات… بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح*، ويحول ثرواته الهائلة إلى مصدر للسلام والإزدهار، لا إلى سبب للصراع والتنافس. وعندها فقط، لن نسأل: من سرق ثروة السودان؟ بل سنقول بثقة: لقد إستعاد السودان ثروته، وإستعاد معها مستقبله.