حين تُدار الحروب بالكاميرا والقلم: كيف يحمي السودان نفسه من الإعلام الأجنبي؟

  • بتاريخ : 22 يوليو، 2026 - 9:33 ص
  • الزيارات : 30
  • بقلم/ د. سعاد فقيري

    الإعلام الوطني… خط الدفاع الأول عن الأمن القومي

    لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت تُدار بالكاميرا، وبالخبر، وبالصورة، وبمقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة، قد يهدم ثقة شعب في دولته، أو يشوه سمعة وطن أمام العالم.
    ولهذا أصبحت وسائل الإعلام الأجنبية لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام، وصناعة الانطباعات، والتأثير على القرارات السياسية والاقتصادية.
    والسودان، الذي يخرج من واحدة من أصعب الحروب في تاريخه، بحاجة إلى استراتيجية إعلامية وطنية، لا تقوم على الانفعال أو إغلاق النوافذ، وإنما على بناء إعلام مهني قوي، قادر على نقل الحقيقة، ومواجهة التضليل، وصناعة الرواية الوطنية.
    إن أخطر ما يواجه الدول ليس فقط أن يكتب الآخرون عنها، بل أن تغيب هي عن رواية قصتها، فيتولى الآخرون رسم صورتها للعالم.
    الإعلام… قضية أمن قومي
    لم تعد وزارات الإعلام مجرد مؤسسات لنشر الأخبار، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي، جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاقتصادية.
    فالمعلومات المضللة قد تؤدي إلى:
    إثارة الفتن والانقسامات.
    إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.
    التأثير على الاستثمارات والاقتصاد.
    تشويه صورة السودان دوليًا.
    دعم الحملات المعادية عبر الفضاء الرقمي.
    ولهذا فإن حماية الأمن الإعلامي أصبحت ضرورة وطنية.
    أين تكمن المشكلة؟
    تعاني الساحة الإعلامية السودانية من عدة تحديات، أهمها:
    ضعف الإعلام الرسمي في سرعة الوصول إلى الجمهور.
    غياب مركز موحد لإدارة الأزمات الإعلامية.
    التأخر في إصدار المعلومات الصحيحة.
    ضعف الحضور الرقمي بلغات عالمية.
    محدودية تدريب الكوادر الإعلامية على الإعلام الرقمي والتحقق من المعلومات.
    غياب خطاب إعلامي موحد في القضايا الوطنية الكبرى.
    وفي ظل هذا الفراغ، تصبح الروايات الخارجية هي الأكثر انتشارًا وتأثيرًا.
    خطة وطنية لحماية السودان إعلاميًا
    أولاً: إنشاء مجلس أعلى للأمن الإعلامي
    يضم الإعلام، والخارجية، والثقافة، والأجهزة المختصة، والجامعات، والخبراء، لوضع استراتيجية إعلامية موحدة، وإدارة الأزمات، ورصد الحملات الإعلامية الموجهة ضد السودان.
    ثانياً: مركز وطني للرصد الإعلامي
    يعمل على مدار الساعة لمتابعة ما يُنشر عن السودان في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وتحليل اتجاهاته، والرد على المعلومات المغلوطة بالأدلة والحقائق.
    ثالثاً: سرعة المعلومة
    الفراغ الإعلامي يُملأ بالشائعات، لذلك يجب أن تكون مؤسسات الدولة سباقة في نشر المعلومات الدقيقة، فالشفافية هي أفضل وسيلة لمواجهة التضليل.
    رابعاً: صناعة رواية السودان
    السودان يمتلك تاريخًا وحضارة وموارد وفرصًا استثمارية كبيرة، لكنه يحتاج إلى إعلام يخاطب العالم بلغاته المختلفة، ويقدم صورة متوازنة تعكس الحقائق والفرص، لا الأزمات وحدها.
    خامساً: الاستثمار في الإنسان
    إعداد جيل جديد من الإعلاميين المتخصصين في الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، وإدارة الأزمات الإعلامية، والدبلوماسية العامة.
    سادساً: شراكة مع السودانيين بالخارج
    يمثل أبناء السودان في المهجر قوة إعلامية ناعمة، ويمكن أن يكونوا سفراء للحقيقة إذا تم إشراكهم وتزويدهم بالمعلومات الموثقة.
    سابعاً: تشريعات متوازنة
    تحديث القوانين بما يحمي الأمن الوطني ويواجه حملات التضليل والجرائم الإلكترونية، مع الحفاظ على حرية الإعلام المسؤول وحق المجتمع في المعرفة.
    رسالة إلى متخذي القرار:
    إن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، بل تبدأ أيضًا بإعادة بناء صورته في أذهان أبنائه والعالم.
    فالدولة التي لا تمتلك روايتها، سيكتب الآخرون تاريخها، وقد لا يكون ذلك التاريخ منصفًا.
    إن الاستثمار في الإعلام الوطني ليس ترفًا، بل هو استثمار في الأمن القومي، وفي الاقتصاد، وفي العلاقات الخارجية، وفي وحدة المجتمع.
    واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى إعلام قوي، ومؤسسات سريعة، ورسالة وطنية موحدة، لأن معارك المستقبل لن تُحسم فقط في ميادين القتال، بل ستُحسم كذلك في شاشات الهواتف، ومنصات الأخبار، وفضاءات التواصل.
    إن حماية السودان تبدأ بحماية الحقيقة، والحقيقة لا تنتصر إلا إذا امتلكت الدولة إعلامًا قويًا، ومهنيًا، ومؤثرًا، يسبق الشائعة، ويواجه التضليل، ويجعل صوت السودان هو الأعلى في الحديث عن السودان.