الفقر النبيل… المدرسة التي صنعتني.

  • بتاريخ : 20 يوليو، 2026 - 7:21 م
  • الزيارات : 62
  • بقلم/ بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان السابق”

    من دواعي سروري أنني أفتخر بأنني عشت الفقر النبيل، وتعلمت منه أن الكسب من عرق الجبين أشرف من السؤال، وأن الكرامة لا تقاس بما يملكه الإنسان، وإنما بما يحمله من قيم ومبادئ. لقد علمتني والدتي، بنت عبود حفيدة مهيره بت عبود، رحمها الله، عزة النفس رغم الفقر المدقع، واحترام الناس على اختلاف أعراقهم وأعمارهم ومشاربهم، دون تكبر أو استعلاء. وغرست في نفسي قيمة العمل والكسب باليد، وحب الجهد المضني بدلا من الركون إلى الراحة، والنظر إلى ما أملك بدلا من التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، والقناعة بما يأتيني من عرق جبيني، والابتعاد عن أي كسب غير مشروع. كما علمتني احترام أصحاب المهن اليدوية جميعا، أيا كانت طبيعة أعمالهم، لأنهم يكسبون رزقهم بشرف ويقدمون خدمة للمجتمع.

    وكانت هذه الدروس تأتي بعد سنوات من حياة أكثر يسراً، عندما كان والدي، رحمه الله، يعمل صرافا بوزارة المالية، متنقلا بين المدن، نسكن بيوت الموظفين المبنية بالطوب، ونستقبل كل صباح عربة الحليب التي توزع الحليب المبستر، وننام في غرف تحيطها الناموسيات اتقاء للبعوض، ونلعب الكرة البلاستيكية في فناء المنزل الواسع، ونرتدي أردية الصوف الجديدة في الأعياد. كانت ذكريات جميلة سبقت مرحلة مختلفة تماما من حياتنا.

    بعد وفاة والدي، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، دفعتني ظروف الحياة إلى ممارسة عدد من الأعمال اليدوية. عملت في حياكة أزرار الجلاليب والقمصان، وإنجاز بعض أعمال الخياطة فيها، كما عملت في بيع الحلاوة والكركديه على طبلية صغيرة، وفي مشتل للزهور. لم أشعر يوما أن هذه الأعمال تنتقص من كرامتي، بل كانت مصدر فخر لأنها علمتني الاعتماد على النفس.

    وعندما سافرت إلى مدينة مانشستر لتحضير الدكتوراه، وأنا أستاذ مبتعث من جامعة الخرطوم، اضطررت، لتغطية نفقات المعيشة في الغربة، إلى العمل في التعداد السكاني البريطاني، أجوب المنازل في حي ويثينشو خلال أيام الصيف، وأنا صائم حتى قرابة التاسعة مساء وقت غروب الشمس آنذاك. وكان ذلك الحي يضم مستشفى ويثينشو العريق، الذي أجرى فيه الطبيب السوداني النطاسي مستر على نور الجليل، رحمه الله، أولى عمليات القلب المفتوح في شمال إنجلترا خلال تلك الفترة. كما عملت عدة أشهر في إحدى شركات الأمن لحراسة المواقع طوال الليل. وهناك تعرفت على جانب آخر من الحياة؛ فقد كنت أتعرض أحيانا للرشق بالحجارة بعد الحادية عشرة ليلا من بعض الشبان الذين كانوا يكرهون حراس المواقع، ولا أدري إلى اليوم سبب ذلك. لكنها كانت تجربة قاسية أضافت إلى رصيدي من الصبر والخبرة.

    لقد علمتني تلك التجارب الصبر على ضيق العيش، والثبات على الطريق، وعدم الاستسلام للظروف مهما اشتدت. كما علمتني احترام الفقراء النشطين الذين يعيشون حياة الكفاف بكرامة، ويكسرون قيود الكسل والخمول، ويصرون على العمل والإنتاج. وكما قال أحد الفلاسفة: “العمل هو الذي يجعل الإنسان إنساناً.”

    إن العمل اليدوي علمني أن أحترم كل من يمارسه، لأن كل مهنة شريفة تقدم خدمة للإنسان وللبشرية. بل إن أصحاب كثير من المهن اليدوية قد يكونون أكثر أثراً وقيمة من بعض أصحاب المكاتب المكيفة ومن يطلق عليهم أصحاب الياقات البيضاء.

    ومن كل تلك الرحلة أدركت أن الإنسان يظل إنسانا أينما كان، وتحت أي ظرف عاش، وأن مواجهة الصعاب هي أول عتبة في طريق النجاح، وأن الكرامة لا تشترى بالمال، وإنما تبنى بالعمل الشريف، والقناعة، والصبر، واحترام الآخرين.

    ويبقى السؤال الذي أترك إجابته للقارئ: هل ما زال جيل اليوم يتعلم هذه القيم النبيلة التي صنعت شخصياتنا، وشكلت تاريخنا وحاضرنا؟ أم أن تغير الزمان ومعطيات الحياة قد افرز قيما وتجارب مختلفة تماما؟

    كتبت هذه الخواطر وأنا على متن الطائرة في طريقي من مملكة البحرين إلى عمّان، للمشاركة في الاجتماع الخامس لمديري بنوك برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند). وبينما كانت الطائرة تشق طريقها في السماء، شقت الذاكرة طريقها إلى سنوات بعيدة، تستحضر محطات صنعت شخصيتي، وقيما ما زلت أعتز بها. فاحيانا تمنحنا الأسفار هدوءًا نادرا نراجع فيه مسيرة العمر، ونتأمل كيف تصنع الشدائد الرجال، وكيف تتحول المعاناة إلى مدرسة، والعمل إلى كرامة، والفقر النبيل إلى أعظم رصيد يحمله الإنسان في حياته.

    بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.

    20 يوليو 2026