الصيرفة الإسلامية: من إثبات المشروعية إلى إثبات القيمة مع خريطة طريق نحو العالمية.

  • بتاريخ : 20 يوليو، 2026 - 8:39 ص
  • الزيارات : 88
  • بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان السابق”

    هذا هو المقال الختامي لما دار في الحوار الموسع بيني وبين الأخ الأستاذ عمر سيد أحمد حول مجموعة من القضايا الجوهرية المرتبطة بتقييم تجربة الصيرفة الإسلامية، وتشخيص تحدياتها، واستشراف مستقبلها. وقد اتسم النقاش في الحوارات السابقه بتعدد الزوايا التحليلية اتفاقا واختلافا مع اتفاق واضح على ضرورة تطوير التجربة والانتقال بها إلى مرحلة أكثر تأثيرا وكفاءة. في هذا المقال الختامي سأنتقل من تشخيص الإشكاليات إلى بناء خريطة طريق للإصلاح. ويمكن تلخيص أبرز محاور الحوار في عدد من القضايا التي أرى أنها تمثل أولويات المرحلة المقبلة متمثلة في إعادة تعريف النجاح، وتحرير المبادئ من القوالب، وبناء نموذج مالي يخدم الإنسان والاقتصاد والمجتمع العالمي.

    إن إصلاح النظام المصرفي الإسلامي العالمي يستلزم الانتقال من مرحلة التركيز على إثبات مشروعية الأدوات والصيغ المالية إلى مرحلة جديدة يكون محورها قياس الكفاءة والقدرة على تحقيق مقاصد الشريعة وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى الرغم من الانتشار الواسع للصيرفة الإسلامية والنمو الكبير في حجم مؤسساتها وأصولها خلال العقود الماضية، فان القول بأن الصيرفة الإسلامية، بصورتها الحالية، قد بلغت مرحلة الكمال سيكون مجاملة لا تستند إلى الواقع، فالصناعة المصرفيه الاسلاميه، رغم ما حققته من انتشار ونمو، ما زالت بعيدة عن تحقيق كثير من الوعود التي صاحبت نشأتها. فالتحدي الحقيقي، في تقديري، لم يعد إثبات إمكانية وجود نظام مصرفي إسلامي، وإنما إثبات قدرته على تقديم نموذج عالمي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة من النماذج التقليدية، وعلى تحويل مبادئها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة. وهو، في اعتقادى، قادر على ذلك ولكن ليس عبر الممارسه الحاليه.

    اولا: اعادة تعريف مؤشرات نجاج الصيرفة الاسلامية.

    في البدء ينبغي القول أن المرحلة المقبل تتطلب أولا اعادة تعريف مؤشرات نجاح الصيرفة الإسلامية بحيث لا تقتصر على حجم الأصول المملوكه أو معدلات الربحية او الانتشار أو ربط التمويل بالدين، كمتطلب ضرورى ولكنه ليس كافيا الا اذا التزم بأسس محددة في الممارسة العملية. يشمل تعريف النجاح، ولا تقتصر على، القدرة على تحقيق أثر حقيقي في المجتمع، مثل تعزيز الشمول المالي، والمساهمة في الحد من الفقر، وتمكين الفئات الأقل حظا من الخدمات المالية، ودعم فئات المرأة والشباب وتوفير العيش الكريم لهم وكذلك تطلعاتهم في الحياة، والمساهمة في كبح تطور القضايا الآنية العالميه السالبه مثل التغير المناخى عبر التمويل الأخضر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة عموما كاطار عالمي متفق عليه. فالمطلوب ليس مجرد تطوير أدوات مالية بديلة، وإنما بناء نموذج عالمي جديد للصيرفة الإسلامية يجمع بين الالتزام بأحكام الشريعة، والكفاءة الاقتصادية المتوافقة مع الأسس المعروفة والمقاسة عالميا، والمساهمة في الابتكارات المالية التي تخدم المجتمع، وكذلك في تحقيق المسؤولية الاجتماعية، ليس بطريقة ديكورية بل بعمل له نتائج ملموسة. خلاصة القول قناعتي أن نجاح المؤسسات المالية الإسلامية مرهونا بما تحققه من قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع، لا بمجرد التركيز فقط على الالتزام الشكلي بالعقود والصيغ.

    من المؤشرات المهمة على نجاح التجربة المصرفية الإسلامية وقدرتها على إثبات جدواها، ألا يقتصر انتشارها على المجتمعات الإسلامية أو على المؤسسات التي تحمل صفة إسلامية، وإنما أن تنتقل مبادئها الاقتصادية الأساسية، بعد تجريدها من الإطار الديني، إلى بيئات غير إسلامية وإلى داخل الأنظمة المصرفية التقليدية نفسها. فالقيم التي تقوم عليها الصيرفة الإسلامية، مثل الارتباط بالاقتصاد الحقيقي، وتقاسم المخاطر، والتمويل القائم على الأصول، والابتعاد عن المضاربات المفرطة، والاهتمام بالعدالة والاستدامة، هي مبادئ اقتصادية يمكن أن تجد قبولا عالميا بغض النظر عن الخلفية الدينية. وفي تقديري، فإن وصول هذه المبادئ إلى أن تصبح جزءا من الممارسة المالية العالمية سيمثل أحد أكبر إنجازات الصيرفة الإسلامية اذا تم ذلك، لأن نجاح أي فكرة اقتصادية لا يقاس فقط بعدد المؤسسات التي تحمل اسمها، وإنما بقدرتها على التأثير في الفكر والممارسة الاقتصادية الأوسع. ويكمن النجاح كما انتقلت الأفكار والنماذج الاقتصادية عبر الحدود والثقافات المختلفه، و عندما تصبح مبادئها التنموية والتمويلية محل تقدير وتطبيق باعتبارها حلولا اقتصادية عالميه فعالة، وليس فقط باعتبارها بديلا دينيا لنظام آخر. وعندها ستنتقل الصيرفة الإسلامية من مرحلة إثبات الهوية إلى مرحلة التأثير العالمي، ومن كونها صناعة مالية متخصصة للمسلمين إلى مساهمة فكرية وعملية في تطوير نموذج أكثر توازنا وعدالة واستدامة للنظام المالي العالمي.

    ومن هذا المنطلق، فإن الفكرة التي طرحتها في كتابين نشرتها في العالم الغربي بلغات متعددة حول التمويل الأصغر غير القائم على الفائد داخل إطار النظام المالي التقليدي، تهدف إلى إثبات أن جوهر الصيغ العملية التي يقوم عليها النظام المالي غير المعتمد على الفائدة لا ينبغي أن يحصر في إطار ديني أو مؤسسي محدد، وإنما يمكن النظر إليها كأدوات اقتصادية ومالية قابلة للتطبيق في بيئات مختلفة، اسلامية وغير اسلامية على حد سواء، دون الحاجة إلى تغيير التشريعات التي تحكم الأنظمة المالية التقليدية. وأرى أن هذه المقاربة تمثل خطوة أولى نحو نقل المبادئ الأساسية للتمويل الإسلامي إلى العالمية، ليس باعتبارها نموذجا دينيا بديلا عن النظام القائم، وإنما باعتبارها مجموعة من الحلول والأدوات المالية التي تضيف قيمة للنظام المالي العالمي. فانتشار الفكرة لا يتحقق بالضرورة من خلال تعميم تسمية الصيرفة الإسلامية، وإنما من خلال قدرة مبادئها الاقتصادية على إثبات جدواها وكفاءتها في معالجة التحديات التي تواجه التمويل الحديث. إن العالمية الحقيقية للتمويل الإسلامي لن تأتي من خلال فرض نموذج مؤسسي معين على كل المعتقدات، وإنما من خلال تحرير المبادئ الاقتصادية التي يقوم عليها من إطارها الشكلي، وإعادة تقديمها كجزء من الفكر المالي العالمي القائم على العدالة، وتقاسم المخاطر، والاستدامة، وخدمة الاقتصاد الحقيقي. وعندما تصبح هذه المبادئ جزءا من الممارسة المالية العالمية، حتى داخل الأنظمة التقليدية، فإن ذلك سيكون أحد أكبر الإنجازات التي يمكن أن تحققها الصيرفة الإسلامية.

    ثانيا: فهم جديد للصيرفة الاسلامية.

    ومن خلال متابعتي لمسيرة النظام المصرفي الإسلامي، فإنني لا أشكك في جوهر الفكرة أو في قدرتها على تقديم نموذج مالي أكثر توازنا وعدالة، وإنما أرى أن التحدي الحقيقي يكمن في فهمها وتطوير تطبيقاتها. فقد يكون جزء من الإشكالية أن بعض منظريها وممارسيها تعاملوا معها باعتبارها إطارا مكتملا أو دينيا منزلا لا يقبل المراجعة والتطوير، بدلا عن النظر إليها كفكرة اقتصادية حية قابلة للبحث والتطوير والتكيف مع التحولات المستمرة في الاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن الحاجة لا تتمثل في إعادة النظر في الصيرفة الإسلامية باعتبارها فكرة تحتاج إلى إلغاء أو استبدال، وإنما باعتبارها تجربة فكرية ومؤسسية تحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي والنقد البناء. فالأفكار العظيمة لا تحافظ على قوتها الفكريه وتلتطبيقيه بالجمود، وإنما بقدرتها على التطور والاستجابة للتحديات الجديدة. ولذلك فإن تطوير الصيرفة الإسلامية يتطلب العودة إلى مقاصدها الأساسية، وإعادة قراءة مبادئها في ضوء المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، بما يسمح ببناء نموذج أكثر كفاءة وفاعلية وتأثيرا.

    ثالثا: اعادة النظر في رسالة الصيرفة الاسلامية.

    إن الخروج من الأزمة التطبيقية التي صاحبت الصيرفة الإسلامية لعقود طويلة يتطلب أولا إعادة النظر في رسالتها الأساسية، بحيث لا يقتصر نجاحها على الالتزام الشكلي، وإنما بقاس قدرتها واسهاماتها على تحقيق مقاصد الشريعة في التنمية، والعدالة، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة. فالمعيار الحقيقي لنجاح الصيرفة الإسلامية ينبغي أن يكون أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد مؤشرات نمو أصولها أو أرباحها أو التزامها بالدين. كما تقتضي المرحلة المقبلة تطوير أدوات التمويل و توسيع استخدام كل الصيغ التي تمثل روح النظام المصرفي الاسلامي وابتكار أدوات أكثر ملاءمة لاحتياجات الاقتصاد الحديث. ويستدعي ذلك تطوير أساليب إدارة المخاطر، والاستفادة من التقنيات المالية الحديثة والذكاء الاصطناعي، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي بصورة دقيقة وشفافة، ولا سيما في قطاعات الزراعة والصناعة والمشروعات الصغرى الصغيرة والمتوسطة، بما يعزز مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتفق عليها عالميا.

    رابعا: تحديث البيئة التشريعية.

    ولا يقل أهمية عن ما سبق تحديث البيئة التشريعية والرقابية، وتعزيز الحوكمة والرقابة الشرعية والعمل على مجاراة التطور المصرفي العالمي دون الاخلال بالقواعد الأساسية للفقة المصرفي، والاستفادة من المعايير الدولية والعمل معها في تطوير معايير تناسب العمل المصرفي الاسلامي، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وبناء شراكات بين الجامعات والمؤسسات المالية بانواعها والجهات الرقابية. فالمرحلة القادمة ينبغي أن تشهد انتقالا من الجدل النظري حول أسباب الإخفاق إلى العمل المشترك لبناء نماذج مصرفية إسلامية أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية وتحقيق مقاصد الشريعة في واقع الناس، لتدخل الصيرفة الإسلامية مرحلة جديدة يكون معيار نجاحها قدرتها على تقديم حلول تنموية مبتكرة، لا مجرد بدائل للعقود التقليدية.

    خامسا: حوار الرأي والرؤية من تفسير الإخفاق إلى بناء مستقبل الصيرفة الإسلامية.

    لقد أثبت هذا الحوار الذي دار بيني والأستاذ عمر سيد أحمد أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للعلم قضية، بل قد يكون مصدرا لإثرائه وتعميق فهمه متى ما التزم أطرافه الموضوعية، واحترام الرأي الآخر، والرغبة الصادقة في الوصول إلى الحقيقة. وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الحوارات الهادئة والبناءة، في وقت طغت فيه الأحكام المسبقة، وغابت فيه ثقافة الحوار العلمي الهادىء الرصين. لقد كان هذا الحوار، في تقديري، نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه النقاش العلمي. حوار يقوم على الاحترام المتبادل، والاحتكام إلى الأدلة والوقائع، والتمييز بين الاختلاف في الرأي والاختلاف في المقصد. فقد اتفقنا على كثير من القضايا الجوهرية، واختلفنا في تفسير بعضها، لكن ظل هدفنا المشترك واحدا، وهو البحث عن السبل الكفيلة بتطوير الصيرفة الإسلامية وتعظيم دورها في خدمة التنمية والعدالة الاجتماعية، ليس فقط المحلية بل العالمية. وأكرر للأخ الأستاذ عمر سيد أحمد خالص الود والتقدير، فقد سعدت كثيرا بتقاسم الفكر والرأي معه، وأعجبت على نحو خاص بسعة صدره، ومهنيته الرفيعة في الكتابة، وأسلوبه الهادئ والمتزن في إدارة النقاش العلمي، وهي خصال أصبحت، مع الأسف، أقل حضورا في أيامنا هذه، بينما تشتد الحاجة إليها في كل حوار يسعى إلى خدمة العلم والوطن والمصلحة العامة.