انواع الاقلام الصحفية

  • بتاريخ : 19 يوليو، 2026 - 5:30 ص
  • الزيارات : 22
  • بقلم/ د. الزبير حمزة الزبير
    القلم الذي يحمله الصحفي قد يكون وسيلة لإحياء الحق وقد يتحول إلى أداة لتزييف الوعي وبين هذين الطريقين تتحدد قيمة القلم ومكانته في ذاكرة الناس والتاريخ
    ولطالما عرف الناس نوعين من الأقلام قلم باع كرامته في سوق المصالح ليس لصاحبه وظيفة يرتزق منها غيره يمدح حين تنساب عليه الهبات ويذم حين يتم ايقافها منه وآخر حافظ على شرف الكلمة مهما كانت التضحيات فالأول لا يرى في الكتابة إلا باباً للمنفعة يقترب من المسؤولين طلباً للرضا ويغدق عليهم أوصافاً لا تستند إلى واقع ويصور الإخفاقات إنجازات ويحول الأخطاء إلى بطولات هذا القلم لا يعرف النقد ولا يؤمن بأن من حق المواطن أن يسمع الحقيقة بل يجعل من المديح منهجاً ومن التزلف وسيلة ومن الصمت عن الخلل سياسة يقف على أبواب السلطة منتظراً ما يجود به أصحاب النفوذ من مكافآت أو امتيازات فيصبح أسيراً لمصالحه فاقداً لاستقلاله عاجزاً عن قول كلمة الحق عندما تكون الحاجة إليها أكبر
    وقد يبدو هذا القلم ناجحاً في لحظة من الزمن وقد يحظى بالقرب من أصحاب القرار، لكنه يخسر أهم ما يملكه صاحبه وهو ثقة الناس فالقراء قد يخدعون مرة أو مرتين لكنهم مع مرور الأيام يدركون الفرق بين من يكتب بقناعة ومن يكتب مقابل مصلحة وبين من يجعل الحقيقة غايته ومن يجعل المنفعة الشخصية بوصلته ولذلك فإن الأقلام التي تعيش على المدح وحده لا تترك أثراً خالداً لأنها ترتبط بالأشخاص والمناصب فإذا زالت المناصب زال معها كل ما كتب من مديح
    وفي المقابل يقف قلم آخر يحمل هموم المواطنين قبل أن يحمل أوراقه ويشعر بأن رسالته الحقيقية تبدأ من الشارع حيث يعيش الناس آمالهم وآلامهم ينقل معاناتهم بأمانة ويعرض مشكلاتهم بموضوعية ويفتح الملفات التي يخشاها غيره ليس بدافع الخصومة أو البحث عن الإثارة وإنما إيماناً بأن المجتمع لا يتطور إلا عندما تقال الحقيقة وتشخص الأخطاء وتطرح الحلول فهذا القلم لا يعادي المسؤول لأنه مسؤول ولا يمدحه لأنه صاحب سلطة ولا يعادي الناس لعدم رضا المسؤول عنهم وإنما يقيس الجميع بميزان الإنجاز والعدل وخدمة الوطن
    إن القلم الحقيقي لا يصنع خصومات شخصية ولا يبحث عن الشهرة بإثارة الفوضى بل يجعل من المهنية طريقاً ومن الدقة منهجاً ومن النزاهة عنواناً فإذا وجد إنجازاً أشاد به وإذا رأى تقصيراً انتقده بلغة محترمة وأدلة واضحة واضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فالنقد المسؤول ليس عداوة كما أن الإشادة الصادقة ليست نفاقاً وإنما كلاهما وجهان للأمانة عندما يكونان مبنيين على الحقائق لا على الأهواء
    ولقد أثبت التاريخ أن الأمم التي ازدهرت هي تلك التي احترمت الكلمة الصادقة وأدركت أن الصحافة ليست خصاً علي الدولة بل شريكاً في الإصلاح فالصحفي الذي يكشف الخلل ويسلط الضوء على معاناة الناس لا يهدم الأوطان وإنما يساعد على معالجة المشكلات قبل أن تتفاقم أما إسكات الأصوات الصادقة أو استبدالها بأصوات لا تجيد سوى التصفيق فإنه يخلق صورة زائفة عن الواقع ويمنع وصول الحقيقة إلى أصحاب القرار فتتراكم الأخطاء حتى تصبح أزمات يصعب علاجها
    ويبقى الفرق واضحاً بين قلمٍ يعيش من أجل الكلمة وقلمٍ يجعل الكلمة وسيلة للعيش فالأول ينام مرتاح الضمير لأنه أدى رسالته بأمانة حتى وإن دفع ثمن مواقفه تضييقاً أو تجاهلاً أو خسارةً لمكاسب شخصية أما الثاني فقد يكسب مالاً أو منصباً أو قرباً من أصحاب النفوذ لكنه يخسر احترامه لنفسه واحترام الناس له لأن الكلمة التي تباع لا تبقى أما الكلمة التي تكتب بإخلاص فتظل حية في الضمائر
    ولهذا فإن الاقلام الصحفية الحقيقية ليست في كثرة ما تكتب من مقالات ولا في جمال العبارات وإنما في صدق الرسالة ونبل المقصد فالقلم الشريف لا يقف على أبواب السلطان طمعاً في الفتات بل يقف إلى جانب المواطن ينقل صوته ويحمل قضاياه ويؤمن بأن قوة الصحفي ليست في قربه من السلطة وإنما في قربه من الحقيقة وعندما يختار الكاتب أن يكون صوتاً للناس لا صدى للمناصب فإنه يؤدي أعظم رسالة يمكن أن يحملها صاحب قلم ويترك أثراً يبقى بعد أن تنتهي المناصب وتتغير الوجوه وتبقى الكلمة الصادقة شاهدة على صاحبها