نزاهة التجارة مفتاح إستعادة عافية الاقتصاد الوطني
بقلم: / م م الامام عبد اللطيف الامام
في الوقت الذي يبحث فيه السودان عن مداخل حقيقية لإنعاش إقتصاده، يبدو أن الرهان على زيادة الإنتاج وحدها لن يكون كافياً لتحقيق التعافي المنشود. فثمة ملف موازٍ لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج، يتمثل في *”نزاهة التجارة”*، باعتبارها الضامن الأساسي لوصول عائدات الصادرات إلى خزينة الدولة، وحماية الاقتصاد الوطني من التسرب المالي
• تُعد نزاهة التجارة إحدى الركائز الجوهرية للاقتصادات الحديثة والمستقرة. وهي تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:
1. *الشفافية* في عمليات الإستيراد والتصدير والإفصاح الحقيقي عن الكميات والقيم.
2. *الالتزام* بالقوانين الجمركية والضريبية وتطبيقها بعدالة.
3. *الحوكمة* التي تحد من التهرب الضريبي، وغسل الأموال، والتلاعب بالفواتير التجارية وتسعير التحويل.
بدون هذه الركائز، تتحول التجارة من محرك للنمو إلى نافذة للفقدان والهدر.
• يواجه السودان تحديات متراكمة في هذا الملف، خاصة في القطاعات ذات القيمة الاقتصادية العالية مثل *الذهب والنفط والمنتجات الزراعية*. ويتجلى ذلك في:
1. *ضعف نظم الرقابة والتتبع* مما يسهل عمليات التهريب عبر الحدود.
2. *التلاعب في البيانات التجارية* عبر الفواتير الناقصة أو المبالغ فيها.
3. *التسعير غير العادل* للسلع المصدرة الذي يحرم الخزينة العامة من فروق أسعار كبيرة.
ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على إنخفاض الإيرادات العامة فحسب، بل تمتد لتشمل:
– إضعاف قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه وخدمات ضرورية .
– خلق بيئة إستثمارية طاردة وغير مستقرة.
– تشويه المنافسة بين الشركات الملتزمة وتلك التي تستفيد من الثغرات الرقابية.
– الإضرار بسمعة الاقتصاد السوداني وتقليص فرص إندماجه في سلاسل التجارة العالمية.
• ويرى خبراء الاقتصاد أن معالجة هذه الإشكالات لا تتطلب إجراءات أمنية آنية فحسب، بل تحتاج إلى *إصلاح مؤسسي شامل* يقوم على:
1. *التحول الرقمي للجمارك*: إنشاء “النافذة الواحدة” وربط الجهات ذات الصلة إلكترونياً “الجمارك، بنك السودان، وزارة المعادن، وزارة المالية” لتتبع حركة السلع لحظياً.
2. *تتبع حركة السلع*: تطوير قواعد بيانات متكاملة للتجارة الخارجية تسمح بتتبع السلعة من لحظة الإنتاج وحتى وصولها للميناء والتصدير.
3. *إحكام الرقابة على الموارد الاستراتيجية*: خاصة في قطاع التعدين عبر إلزام شركات الذهب بالإفصاح الكامل عن الإنتاج والتصدير والعائدات، ومراجعة إجراءات تصدير النفط والسلع الاستراتيجية.
4. *التعاون الدولي وتبادل المعلومات* فمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة والتلاعب في الفواتير لم تعد قضية وطنية فقط. أصبح تبادل البيانات الجمركية بين الدول أداة حاسمة لإسترداد حقوق الدول النامية.
• إن بناء إقتصاد قوي لا يعتمد فقط على حجم الموارد الطبيعية التي تمتلكها الدولة، وإنما على *كفاءة وشفافية إدارتها*.
والسودان بما يملكه من إمكانات زراعية ومعدنية ونفطية وموقع إستراتيجي، يمتلك فرصة تاريخية لتحويل التجارة الخارجية إلى محرك رئيسي للنمو.
ولكن هذه الفرصة مشروطة بشرط واحد: *أن تصبح النزاهة والحوكمة جزءاً أصيلاً من منظومة إدارة التجارة والإستثمار*.
فالإصلاح الاقتصادي يبدأ من الثقة، والثقة لا تُبنى إلا عندما تكون التجارة شفافة، والعوائد معلومة، والموارد الوطنية محمية من الهدر والتسرب.
عندها فقط، يمكن أن تتحول ثروات السودان من أرقام في التقارير إلى *قوة اقتصادية حقيقية* تدعم الاستقرار، وتمول التنمية، وتحسن معيشة المواطن.











إرسال تعليق