حق الأولوية أم موافقة البنك المركزي؟

  • بتاريخ : 18 يوليو، 2026 - 12:59 م
  • الزيارات : 81
  •  

    الطيب شيقوق المحامي و المستشار القانوني

    “عضو مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية”

    قراءة في العلاقة بين المادتين 34/4 و37 من قانون سلطة تنظيم أسواق المال لسنة 2016م

    تثير العلاقة بين المادتين 34/4 و 37 من قانون سلطة تنظيم أسواق المال لسنة 2016م إشكالاً قانونياً لافتا ، لا سيما في حال يؤدي اكتتاب أحد المساهمين، في الأسهم الجديدة، عند زيادة رأس مال شركة مساهمة عامة، تمارس أعمالاً مصرفية، إلى تجاوز نسبة 15% من ملكيته في الشركة.

    فالمادة 34/4 تقول ” يجب على أي شخص يرغب في شراء وتملك أسهم في شركة مساهمة عامة تمارس أعمالاً مصرفية بما يزيد على 15%، الحصول على موافقة البنك المركزي كتابة”

    أما المادة 37، فتقرر للمساهمين المسجلين في سجلات الشركة في تاريخ الموافقة على زيادة رأس المال حقاً في تغطية نسبة لا تجاوز 75% من الأسهم الجديدة المطروحة للاكتتاب العام، وتوزع بينهم بنسبة ما يملكه كل منهم من أسهم الشركة.

    ومن هنا يثور السؤال:
    إذا كان أحد المساهمين يملك 14% من أسهم بنك، ثم مارس حقه في الاكتتاب في الأسهم الجديدة، فأصبحت ملكيته تزيد على 15%، فهل يحتاج إلى موافقة البنك المركزي؟ أم أن حق الأولوية المقرر له بموجب المادة 37 يكفي بذاته؟

    واضح أن لكل من المادتين غاية تشريعية مختلفة.
    فالمادة 34/4 تهدف إلى إخضاع تملك النسب المؤثرة في الشركات التي تمارس أعمالاً مصرفية للرقابة، نظراً للطبيعة الخاصة للنشاط المصرفي وما قد يترتب على تركّز الملكية من تأثير في إدارة الشركة وقراراتها.
    أما المادة 37، فتهدف إلى حماية المساهمين القائمين عند زيادة رأس المال، وذلك بمنحهم فرصة المشاركة في الاكتتاب في الأسهم الجديدة بنسبة تتناسب مع ملكيتهم القائمة، حتى لا تتعرض حصصهم للتخفيف.

    ومن ثم، فإن النصين يحمي كل منهما مصلحة مختلفة:
    المادة 34/4 تحمي سلامة النظام المصرفي من التركز غير المنضبط للملكية.
    والمادة 37 تحمي المساهم من تخفيف ملكيته عند زيادة رأس المال.

    هل ممارسة حق الأولوية تعد شراءً وتملكاً؟

    تتمحور المسألة حول تفسير عبارة «شراء وتملك» الواردة في المادة 34/4.
    فإذا أخذنا العبارة بمعناها الواسع، فإن العبرة تكون بالنتيجة النهائية، وهي تملك نسبة تزيد على 15%، بصرف النظر عن الوسيلة التي تم بها اكتساب الأسهم.

    وبهذا التفسير، فإن تملك الأسهم عن طريق الاكتتاب في زيادة رأس المال أو ممارسة حق الأولوية لا يخرج عن نطاق النص.

    أما إذا أخذنا العبارة بمعناها الضيق، فيمكن القول إن ممارسة حق الأولوية ليست شراءً عادياً للأسهم، وإنما هي استعمال لحق قانوني نشأ للمساهم بسبب ملكيته السابقة.

    غير أن هذا التفسير يواجه صعوبة في أن المادة 34/4 لم تربط شرط الموافقة بطريقة محددة لاكتساب الأسهم، وإنما ربطته بتملك نسبة تزيد على 15%.

    هل المادة 37 نص خاص يقيد المادة 34/4؟

    قد يقال إن المادة 37 تمثل حكماً خاصاً يتعلق بزيادة رأس المال، بينما تمثل المادة 34/4 حكماً عاماً يتعلق بتملك الأسهم.
    ومن ثم، فإن النص الخاص يقيد النص العام.

    غير أن تطبيق هذه القاعدة لا يكون آلياً، إذ يشترط وجود تعارض حقيقي بين النصين.
    فالمادة 37 تمنح المساهم حقاً في الاكتتاب، لكنها لا تنص صراحة على أن ممارسة هذا الحق تكون دون التقيد بالقيود والموافقات التي يقررها القانون.

    وعليه، فإن مجرد كون المادة 37 نصاً خاصاً في مجال زيادة رأس المال لا يكفي وحده للقول بأنها تستبعد تطبيق المادة 34/4.

    التفسير التوفيقي

    يبدو أن التفسير الأقرب إلى التوازن هو التوفيق بين النصين بدلاً من إهدار أحدهما.

    فالمادة 37 تمنح المساهم حق المشاركة في زيادة رأس المال، بينما تضع المادة 34/4 قيداً رقابياً على تملك نسبة تزيد على 15%.

    وبالتالي، فإن ممارسة حق الأولوية لا تسقط من حيث الأصل، لكن بلوغ نسبة تزيد على 15% قد يظل خاضعاً لشرط الموافقة.

    وبعبارة أخرى:
    المادة 37 تحمي أصل حق المساهم في الاكتتاب، بينما تنظم المادة 34/4 النتيجة النهائية للتملك.
    وهذا التفسير يحافظ على النصين معاً، فلا يهدر حق المساهم، ولا يفرغ القيد الرقابي من مضمونه.

    مثال تطبيقي

    لنفترض أن أحد المساهمين يملك 14% من أسهم بنك، ثم قررت الشركة زيادة رأس مالها. فإذا اكتتب المساهم بالأسهم الجديدة وأصبحت ملكيته 14.8%، فلا تثور مشكلة المادة 34/4، لأنه لم يتجاوز النسبة المحددة.

    أما إذا أدى اكتتابه إلى ارتفاع ملكيته إلى 15.5%، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيداً.
    فمن ناحية، هو يمارس حقاً مقرراً له بموجب المادة 37.
    ومن ناحية أخرى، أصبح مالكاً لنسبة تزيد على الحد الذي اشترط القانون بشأنه موافقة البنك المركزي. وهنا تظهر أهمية التمييز بين حق الاكتتاب والنتيجة النهائية للتملك.

    من المهم التمييز بين المحافظة على نسبة الملكية القائمة وزيادتها.
    فإذا أدت زيادة رأس المال إلى تخفيض نسبة المساهم، ثم اكتتب بما يكفي للمحافظة على نسبة ملكيته القائمة، فإن ذلك يختلف عن أن يستغل زيادة رأس المال لزيادة حصته بصورة تتجاوز النسبة التي كان يملكها.
    ففي الحالة الأولى، يكون هدف المساهم حماية مركزه القائم. أما في الحالة الثانية، فإنه يحقق زيادة فعلية في نسبة ملكيته، الأمر الذي يثير بصورة أوضح اعتبارات الرقابة المصرفية.

    إن تطبيق المادة 34/4 يجب ألا يؤدي إلى إهدار حق المساهم في الاكتتاب.
    فالموافقة الرقابية ينبغي أن تكون أداة لتنظيم التملك المؤثر، لا وسيلة لتعطيل حقوق المساهمين دون أساس قانوني واضح.
    ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد موقف تشريعي صريح من مسائل مهمة، منها:
    هل يشمل شرط الموافقة الاكتتاب في الأسهم الجديدة؟
    هل يختلف الحكم إذا كان الاكتتاب لمجرد المحافظة على نسبة الملكية؟
    هل يشمل القيد الزيادة الناتجة عن ممارسة حق الأولوية؟
    وما مصير الأسهم التي اكتتب بها المساهم إذا لم تصدر الموافقة؟

    الخلاصة

    اري إن العلاقة بين المادتين 34/4 و37 من قانون سلطة تنظيم أسواق المال لسنة 2016م تكشف عن توازن دقيق بين حق المساهم في المشاركة في زيادة رأس المال، وحق الدولة في الرقابة على تركز الملكية في المؤسسات المصرفية.

    ولعل التفسير الأقرب إلى التوازن هو أن حق الأولوية المقرر بالمادة 37 لا يسقط بسبب القيد الرقابي الوارد في المادة 34/4، كما أن ممارسة هذا الحق لا تعني بالضرورة الإعفاء من شرط الموافقة إذا أدت إلى تملك نسبة تزيد على 15%.

    فالمادة 37 تقرر للمساهم حقاً في الاكتتاب، بينما تضع المادة 34/4 قيداً على النتيجة النهائية للتملك.

    وإذا كان المشرع يريد استثناء الاكتتاب الناشئ عن ممارسة حق الأولوية من شرط الموافقة، فإن الأفضل أن ينص على ذلك صراحة.
    أما ترك المسألة للتفسير، فقد يؤدي إلى اختلاف في التطبيق بين الشركات والمساهمين والجهات الرقابية، وهو أمر لا يتفق مع طبيعة سوق المال التي تقوم على وضوح القواعد واستقرارها.

    ففي التشريع المالي والمصرفي، قد تكون كلمة واحدة كفيلة بتحديد من يملك حقاً، ومن يحتاج إلى موافقة، ومن يستطيع أن يزيد ملكيته، ومن يقف عند حدود النسبة التي رسمها القانون.