لا مكان للعلمانية بيننا ولا مكان لمن يفصل الدين عن الدولة بيننا

  • بتاريخ : 14 يوليو، 2026 - 8:26 ص
  • الزيارات : 13
  • الصفر البارد|| جلال الدين محمد إبراهيم

    – هل القوانين التي يضعها البشر هي أفضل من قوانين رب العالمين الذي خلق الإنسان؟⁉️

    هذا سؤالٌ اعلاه وجيهٌ ينبغي أن يقف عنده كلّ عاقلٍ يتأمّل في حقيقة الوجود ومصير البشر. كيف يجرؤ إنسانٌ – مهما بلغتْ معرفته واتّسعَ أفقُه – أن يضع قوانينَ يُزعم أنها أصلحُ لتسيير حياة الناس من قوانين رب العالمين الذي خلقهم فسوّاهم، وأحاط بكلّ شيءٍ علماً، وهو العليم الخبير؟

    – العلمانية – هي Secularism – في مفهومها الغربي تعني فصل الدين عن الدولة وعن الحياة العامة، وجعل المرجعية في التشريع والحكم للإنسان وحده، بعيداً عن أيّ نصٍّ ديني أو وصايا سماوية. وهي في جوهرها رؤيةٌ قاصرةٌ تنظر إلى الإنسان باعتباره كائناً مستقلاً بذاته، قادراً على إدارة شؤونه دون حاجةٍ إلى هدايةٍ من خالقه، وهذا وهمٌ كبيرٌ ينمّ عن جهلٍ عميقٍ بحقيقة الإنسان نفسه.

    – لدينا اليوم مَنْ يصرّون على أن تَحْكُمَ البلادَ بالقوانينُ العلمانية، ليس اقتناعاً بصلاحيتها، بل طمعاً في رضا دولٍ بعينها – كالإمارات أو أمريكا – وهذا أمرٌ في غاية القُبْحِ الفكريّ والأخلاقيّ. فكيف يُباعُ دينُ المرء وهويّتُه وقيمُه من أجلِ نظرةِ إعجابٍ أو تأييدٍ من جهةٍ خارجيةٍ لا تعنيها مصلحةُ هذه الأمةِ ولا مستقبلُها؟!

    – في نقاشاتٍ دارت في بعض مجموعات “واتساب”، قال أحدهم بأن العلمانية هي التي تساير ركب العصر، وأن الشريعة الإسلامية لم تعد صالحةً لهذا الزمان. وهذا القول – إن صدر عن مسلم – فهو دليلٌ على جهلٍ مركّبٍ، وعلى إساءةِ فهمٍ لحقيقة الشريعة التي هي – في أصلها – صالحةٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، لأنها صادرةٌ عن العليمِ الخبيرِ الذي يعلمُ ما كان وما سيكون. أما القول بأن الإنسانَ يفهمُ أكثرَ من ربّه في شأنِ الحكمِ والسياسةِ، فهو مستوىً من الغباءِ الفكريّ الذي يستحقّ التوقّفَ عنده طويلاً.

    – إن أبسطَ سورةٍ في القرآن الكريم – سورة التين – تختم بقولِ اللهِ سبحانه وتعالى: “أليس الله بأحكم الحاكمين”. هذه الآيةُ التي يقرؤها المسلمون منذ مراحلِهم الدراسيّةِ الأولى، والتي يُردّدونها في صلواتهم، تحملُ في طيّاتها سؤالاً مصيريّاً: كيف يُمكنُ لعاقلٍ يؤمنُ باللهِ أن يختارَ حكمَ البشرِ على حكمِ ربّ البشر؟!

    – أما في السودان – تحديداً – فإنّ بعض المجموعات التي يُطلق عليها مصطلح “القحاتة” تسعى اليومَ بكلّ قوةٍ لفرضِ نظامٍ علمانيّ، طمعاً في إرضاء الإماراتِ وأمريكا وإسرائيل، وهذه المجموعاتُ تُريدُ أن تبيعَ هويّةَ السودان الإسلاميّةَ والعربيةَ مقابلَ دعمٍ سياسيٍّ أو ماديٍّ مؤقّت. لكنّ الحقيقةَ التي تغفلُ عنها هذه المجموعةُ هي أنّ الشعوبَ لا تنسى، والتاريخَ لا يُضيع، واللهَ لا يُغفلُ عمّن يبيعون دينهم بعَرَضٍ من الدنيا قليل.

    – مصيبةُ الحكم العلمانيّ تكمنُ في أنّه يقطعُ الصلةَ بين الإنسانِ وربّه في أعظمِ مجالٍ يؤثّرُ في حياةِ الناس، وهو مجالُ الحكمِ والتشريع. فإذا انفصلَ الدينُ عن الدولة، أصبحتِ القوانينُ مجرّدَ اتّفاقٍ بشريٍّ قابلٍ للتغييرِ والتبديلِ حسبَ الأهواءِ والمصالح. وهذا ما نراه بوضوحٍ في الدولِ التي طبّقتِ العلمانيةَ، حيث تتفشى الفوضى الأخلاقية، وتضيعُ القيم، وتُستَباحُ الحرمات باسم الحرية، ويُقامُ الظلمُ باسم القانون.

    – أيّها القارئ الكريم: باللهِ هل لك حجّةٌ مع ربّك يومَ القيامةِ وأنت تختارُ حكمَ البشرِ على حكمِ ربّ العالمين؟! وهل يرضيك أن تقفَ بين يدي اللهِ فتقول: يا ربّ، فضّلتُ قوانينَ فلانٍ وفلانٍ على شرعِك؟! إنّ العلمانيةَ ليست تطوّراً ولا تقدّماً، بل هي رجوعٌ إلى الوراء، وهروبٌ من نورِ الوحيِ إلى ظلماتِ الأهواءِ البشرية.

    – اخر المداد
    لا مكان للعلمانية بيننا، فشريعةُ اللهِ هي الحلّ لكلّ زمانٍ ومكان، وهي الكفيلةُ بإعادةِ المجدِ لهذه الأمّةِ التي ضاعتْ حين ابتعدتْ عن دينها، وسوف تعودُ حين تعودُ إليه. واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو الهادي إلى سواءِ السبيل. الا هل بلغت ،، اللهم فشهد ، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد