بين الهدنة والمعارك.. أسبوع أعاد خلط أوراق الحرب في السودان
الحرطوم: تقرير منصور الصويم
لم يكن الأسبوع الماضي أسبوعًا عاديًا في مسار الحرب السودانية. ففي الوقت الذي كانت فيه الاتصالات السياسية تتحرك بهدوء بين واشنطن وبورتسودان، كانت الجبهات العسكرية تشهد تغيرات متسارعة، فيما بدا أن طرفي الصراع يسابقان الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي هدنة محتملة.
أبرز تطورات الأسبوع تمثلت في انتقال ملف الهدنة الإنسانية إلى مرحلة أكثر وضوحًا، بعد أن كشفت تقارير ومعلومات متقاطعة عن اتصالات مكثفة بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية.
وكشف “الترا سودان” تفاصيل إضافية عن لقاء جمع عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي بالمستشار الأميركي مسعد بولس في القاهرة، تناول المقترحات الأميركية الخاصة بالهدنة، وسط خلافات تتعلق بآليات تنفيذها، وعلى رأسها قضية “الانسحابات “.
وتزامن ذلك مع ما كشفته وكالة رويترز من وثائق أوضحت أن الجيش السوداني لا يرفض مبدأ الهدنة، لكنه يتمسك بشرط أساسي يتمثل في انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب، وتسليم الأسلحة الثقيلة، والتجمع في معسكرات محددة، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين رؤية الخرطوم والمقترحات المطروحة من الوساطة الأميركية.
الجيش يعزز أوراقه
بالتوازي مع هذه التحركات السياسية، حقق الجيش السوداني أحد أبرز مكاسبه الميدانية خلال الأسابيع الأخيرة باستعادة مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق، بعد معارك مع قوات تحالف السودان التأسيسي الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو.
واعتبرت استعادة المدينة، الواقعة على الحدود مع إثيوبيا، تطورًا مهمًا في الجبهة الشرقية من الناحيتين العسكرية والسياسية، إذ جاءت في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد الحديث عن هدنة محتملة.
وفي السياق نفسه، بعث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان برسائل سياسية واضحة، مؤكدًا أن الدولة “لن تُسلَّم إلا وفق تراضٍ وطني بين السودانيين”، وأن معركة الجيش مستمرة حتى القضاء على قوات الدعم السريع، في موقف يعكس تمسك القيادة العسكرية بخيار الحسم بالتوازي مع الانفتاح المشروط على المبادرات السياسية.
كما أكد مستشار رئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، أن “السيناريو الليبي” مرفوض في السودان، في إشارة إلى رفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى تعدد مراكز السلطة أو تقاسم النفوذ على غرار التجربة الليبية.
الدعم السريع يتمسك بجبهة دارفور
وفي المقابل، تمكنت قوات الدعم السريع من استعادة السيطرة على محلية كلبس بولاية غرب دارفور بعد أيام فقط من إعلان القوة المشتركة السيطرة عليها، كما دفعت بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة، في مؤشر على أن دارفور ستظل إحدى أكثر جبهات الحرب اشتعالًا.
ويرى مراقبون أن تحركات الطرفين خلال الأسبوع الماضي تعكس محاولة كل منهما تحسين موقعه العسكري قبل أي تفاهم سياسي محتمل، بحيث يدخل أي مفاوضات وهو يمتلك أكبر قدر من أوراق القوة.
ضغط دولي متصاعد
وفي موازاة التطورات العسكرية والسياسية، شهد الأسبوع تصاعدًا في الضغوط الدولية على أطراف الصراع، بعد أن خلصت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن الانتهاكات التي ارتُكبت في السودان، خصوصًا في دارفور، ترقى إلى جرائم بالغة الخطورة، مع دعوات متزايدة لتعزيز حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي تطور آخر، اعتمد البرلمان الأوروبي، الخميس، قرارًا يدين بشدة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان، معربًا عن قلقه البالغ إزاء الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين في الفاشر والأبيض.
وطالب نواب البرلمان بفرض عقوبات فورية ومستهدفة على قادة قوات الدعم السريع، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر، بسبب ما وصفوه بضلوعهم في ارتكاب انتهاكات خطيرة والتحريض على العنف العرقي واستهداف البنية التحتية والمنشآت الصحية.
تكشف أحداث الأسبوع الماضي أن الحرب دخلت مرحلة تتقاطع فيها السياسة مع الميدان بصورة أوضح من أي وقت مضى. فالوساطة الأميركية تحاول الدفع نحو هدنة إنسانية، بينما يواصل طرفا الصراع السعي إلى تحسين مواقعهما العسكرية قبل أي اتفاق محتمل.
وربما يكون الأسبوع الماضي قد دشّن مرحلة جديدة، عنوانها التفاوض تحت ضغط السلاح؛ حيث تسير المبادرات السياسية والعمليات العسكرية جنبًا إلى جنب، في حين يبقى مستقبل الحرب مرهونًا بقدرة هذه المسارات على الالتقاء، أو الانزلاق إلى جولة جديدة من الصراع.






إرسال تعليق