بقلم/ السفير الصادق المقلي
لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بالتلويح بالعصا. القرار الأخير الصادر عن مكتب الصناعة والأمن بوزارة التجارة الأمريكية بنقل السودان من المجموعة “ب” إلى المجموعة “د-3” يعلن بوضوح أن واشنطن انتقلت من سياسة الجزرة الي اشهار عصاتها..الهدف لم يعد دفع الحكومة السودانية للتفاوض فقط، بل شل قدرتها ا والتقنية بالكامل خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وإلا ليس من المستبعد أن تلجأ واشنطن إلى خيارات بديلة ظل يلوح بها بولس طيلة الفترة الماضية..إما عبر مظلة أممية، أو اعمال عقيدة ترامب التي أسماها ( السلام بالقوة. Peace through Strength باللجوء الي تمويل بعثة لفرض السلام في السودان من خلال إنشاء تحالف اقليمي علي غرار ما يحدث في العراق و سوريا و اليمن و ليبيا..
نعم في إطار سياسة الجزرة.
أولا…..الولايات المتحدة الأمريكية خصصت حوالي ثلاثة مليار دولار خلال الفترة الماضية كون إنساني للمتضررين من الحرب . و هو يفوق أضعاف ما قدمته بقية الدؤل..
ثانيا…..رعت واشنطن مع السعودية منبر جده الذي ناشد طرفي النزاع بضرورة الامتثال للقانون الدولي الإنساني و حماية المدنيين و الأعيان المدنية . و لعل افتقار إعلان جده لٱلية للتنفيذ كان أهم إخفاق لمنبر جده.
ثالثا.. شاركت واشنطن في كل المنابر السلمية في المنامة،، لندن،،، جنيف الأولى و الثانية… واشنطن حيث أطلقت في سبتمبر الماضي مبادرة الرباعية .. ثم برلين و اديس أبابا… و استطاعت أن تحقق الرباعية إجماعا دوليا و أقليميا غير مسبوق في تاريخ النزاعات في العالم.
رابعا….جلسة مجلس الأمن الخاصة الأخيرة.. حيث اجمع كافة أعضاء المجلس على تعذر الحل العسكري و دقوا ناقوس الخطر من مغبة اجتياح الدعم السريع و تكرار مأساة الفاشر. كما أعلنوا دعمهم للاتحاد الأفريقي و الرباعية و الخماسية و ناشدوا أطراف النزاع إلي وقف إطلاق النار.. تسهيل إنسياب العون الإنساني و عملية سياسية بملكية سودانية..
خامسا . …في هذه الجلسة صرح بولس أن الجيش السوداني هو الذي يرفض التسوية السلمية… و تصدي له مندوب السودان الذي أكد أن البرهان وافق على تعديلات جدول خاص بالانسحاب.. و من ثم أشاد بولس بموقف البرهان و صرح بأنهم بصدد السفر إلي السودان في هذا السياق.. و بالفعل مداخلة الحارث وضعت الحكومة علي المحك و رمي بالكورة في ملعبها. .
سادسا…. و قد أعقب هذه المنابر… عددا من العقوبات الأمريكية على كلا طرفي النزاع بما فيهم البرهان و حميدتي و بعض معاونيهم و هذه ما تسمي بالعقوبات الشخصية.. Target Sanctions..
سابعا….. ثم من بعد ذلك و في ظل فشل كل هذه المنابر و الإجراءات ،، لجأت واشنطن إلى أشعار العصا.. و اتخذت عدداً من الإجراءات و العقوبات التي تعكس هاجس واشنطن إزاء إنزلاق الأزمة إقليميا و دوليا و صتفت السودان بإعتباره مهددا للأمن الدولي و لأقاليمي…الأمر الذي وضع الأزمة بين يدي الرئيس ترامب نفسه…
لم يعد من الممكن النظر إلى القرار الأمريكي الأخير الخاص بتشديد قيود الصادرات إلى السودان باعتباره إجراءً منفصلاً أو مجرد رد فعل على اتهام الخرطوم باستخدام الأسلحة الكيميائية. فقراءة متأنية لمسار القرارات الأمريكية خلال الأشهر الماضية تكشف عن وجود سياسة متدرجة ومترابطة، بدأت بالعقوبات الفردية، ثم انتقلت إلى العقوبات الاقتصادية والتجارية، وتوشك – إذا استمر المسار الحالي – أن تبلغ مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في محاولة فرض تسوية سياسية تحت ضغط دولي متزايد.
لقد انتقلت واشنطن عملياً من سياسة “الجزرة”، التي ظلت تتبعها خلال الثلاث سنوات الماضية من عمر الحرب،. إلى مرحلة “إشهار العصا”. أما إذا أخفقت هذه الضغوط في تغيير سلوك أطراف الحرب، فإن مشروعي القانون المطروحين حالياً أمام الكونغرس يوحيان بأن المرحلة التالية قد تكون الانتقال من الضغط السياسي والاقتصادي إلى توفير الأدوات القانونية والمالية لفرض السلام عبر المجتمع الدولي.. و هذا ما نصا مشروع القرار..
فيما يلي تطورات الخطوات الأمريكية خلال الفترة الماضية فيما يتعلق بملف الحرب و السلام في السودان..
١… *استهداف شريان التمويل والعلاقات الخارجية*
بدأت الحملة في 27 يونيو 2026، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC عن فرض عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات، كان أبرزهم وزير المالية السابق دكتور جبريل إبراهيم وقيادات محسوبة على “البراؤون”.
وجاء في بيان الوزارة أن المستهدفين “لهم صلات بشبكات الإمداد والتجنيد التي تغذي الحرب الأهلية في السودان”. لكن الأخطر كان الربط الصريح الذي أورده البيان بين هؤلاء الأفراد وعلاقاتهم مع جهات إيرانية، في إشارة واضحة إلى محاولة واشنطن تصوير الحرب في السودان كجزء من محور إقليمي.
النتائج العملية للعقوبات كانت فورية وقاسية. فقد حرمت العقوبات دكتور جبريل من السفر إلى واشنطن لحضور اجتماعات البنك الدولي السنوية واجتماعات الربيع، وهي المنصة الأساسية التي كانت الحكومة تعتمد عليها للتفاوض على التمويل والإعفاءات مع المؤسسات الدولية. بتجميد أصوله ومنعه من التعامل مع النظام المالي الأمريكي، أغلقت واشنطن أمامه نافذة التمويل الدولي بالكامل.
٢…..*اتهام رسمي باستخدام الأسلحة الكيميائية*.
قبل ذلك بعام تقريباً، وتحديداً في 24 أبريل 2025، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قرأرا “Determination” تاريخيا بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991. وجاء في البيان الرسمي الصادر في 22 مايو 2025:
( خلصت الولايات المتحدة في 24 أبريل 2025 الي أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024).
وبناء على هذا التحديد، فرضت واشنطن حزمة عقوبات دخلت حيز التنفيذ في 6 يونيو 2025 وشملت قيوداً على الصادرات الأمريكية إلى السودان وعلى خطوط الائتمان الحكومية الأمريكية. الخارجية الأمريكية قالت بوضوح: ( ندعو حكومة السودان إلى وقف استخدام جميع الأسلحة الكيميائية والوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية)
الرد السوداني جاء رافضاً ووصف الاتهام بأنه “يفتقر لأي أساس أخلاقي أو قانوني”.
هنا تحولت القضية من “حرب أهلية داخلية” إلى ( قضية أمن دولي) .
٣…… *ربط الصناعات الدفاعية بالأسلحة الكيميائية*.
أ….. جاء في قرار وزارة الخزانة الأمريكية الصادر في 1 يونيو 2023 بشأن إدراج منظومة الصناعات الدفاعية السودانية على قائمة العقوبات:
“تُعد منظومة الصناعات الدفاعية (DIS) أكبر مؤسسة للصناعات الدفاعية في السودان، وتتولى تصنيع مجموعة متنوعة من الأسلحة والذخائر والمركبات العسكرية لصالح القوات المسلحة السودانية، كما تشرف على شبكة من الشركات العاملة في إنتاج الأسلحة والمشتريات العسكرية. ومن خلال توفير الإيرادات والإمدادات للقوات المسلحة السودانية، أسهمت في استمرار النزاع في السودان. وبناءً على ذلك، أُدرجت منظومة الصناعات الدفاعية على قائمة العقوبات الأمريكية، مع تجميد أصولها الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية وحظر التعامل معها.
ب…… قرار وزارة الخزانة الأمريكية الصادر في 26 يونيو 2026 بشأن الشركات التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية:
“وسّعت الولايات المتحدة نطاق العقوبات ليشمل شركات تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، هي: شركة الهدف للأنشطة المتعددة (Target Multiactivities Company Ltd.) وشركة الموانئ الهندسية (Ports Engineering Company Ltd.)، باعتبارهما قدمتا دعماً مادياً ولوجستياً لمنظومة الصناعات الدفاعية والقوات المسلحة السودانية، من خلال أنشطة مرتبطة بتوريد وشراء معدات ومواد عسكرية. وبناءً على ذلك، أُدرجت الشركتان على قائمة العقوبات، مع تجميد أي أصول خاضعة للولاية القضائية الأمريكية، وحظر أي تعاملات معهما من قبل الأشخاص والجهات الأمريكية.”
ج……كما شملت العقوبات شركات وأفراداً أجانب اتهمتهم الولايات المتحدة بدعم شبكات الإمداد العسكري في السودان، حيث جاء في القرار:
“أُدرجت شركة SBL Energy Limited الهندية على قائمة العقوبات بدعوى توريد متفجرات ومواد ذات صلة لشركة الهدف للأنشطة المتعددة، كما أُدرجت شركة Talent Bridge S.A. البنمية وعدد من مسؤوليها بتهمة تقديم خدمات لتجنيد مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع. وترتب على ذلك تجميد أي أصول خاضعة للولاية القضائية الأمريكية وحظر التعامل معها من قبل الأشخاص والجهات الأمريكية.
كانت واضحة ولا تحتمل التأويل: من يزود الجيش السوداني بالسلاح هو شريك في جريمة استخدام أسلحة محظورة. هذا الربط القانوني يفتح الباب أمام عقوبات أوسع تطال أي دولة أو شركة تتعامل مع المؤسسة العسكرية ..
٤….انتقال السودان من المجموعة (B) إلى المجموعة (D:3) في لوائح إدارة التصدير الأمريكية (Export Administration Regulations – EAR) ليس مجرد تغيير إداري، بل له آثار قانونية وسياسية واقتصادية.
أولاً: ماذا تعني المجموعة (B)؟
المجموعة (B) تضم الدول التي لا تُعد محل قلق خاص فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، ولذلك تتمتع بقدر أكبر من المرونة في منح تراخيص تصدير السلع والتقنيات الأمريكية الخاضعة للرقابة. انتقال السودان إليها بعد رفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 2020 كان جزءاً من عملية تطبيع العلاقات الاقتصادية.
أما المجموعة (D:3) فهي مخصصة للدول التي تثير مخاوف تتعلق بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وإدراج دولة فيها يعني أن الولايات المتحدة ستتعامل مع معظم طلبات تصدير السلع والتقنيات الحساسة إليها وفق سياسة افتراض الرفض (Presumption of Denial)، أي أن الأصل هو رفض الترخيص إلا إذا وُجد سبب استثنائي للموافقة.
الآثار العملية:
تشديد كبير على تصدير التقنيات الأمريكية المتقدمة إلى السودان.
صعوبة الحصول على معدات صناعية متطورة، وبعض أجهزة الاتصالات، والإلكترونيات الحساسة.
قيود على بعض قطع غيار الطائرات والمعدات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري).
زيادة تردد الشركات الأمريكية والعالمية في التعامل مع السودان بسبب مخاطر الامتثال للعقوبات.
أما الإشارة إلى الأسلحة الكيميائية فهي الأكثر خطورة سياسياً وقانونياً.
عملياً هذا يعني شللاً كاملا للقطاع الاقتصادي و الخدمي و التقنيه العالميه.. لا قطع غيار لطائرات بوينغ، لا أجهزة اتصالات و 5G، لا سيرفرات، لا معدات نفط، لا أجهزة أشعة وغسيل كلى.
و يبدو أننا أمام سيناريو شبيه بوضع السودان ضمن قائمة الدول الراعية للارهاب.. و الذي دمر سودانير والسكك الحديدية إبان عهد الانقاذ.. ، لكن هذه المرة بغطاء قانوني أخطر ،. هو الأسلحة الكيميائية.
٥…. الإنذار الأخير: مشروعا قانونين في الكونغرس،، ومهلة الثلاثة أشهر.
في ظل هذا التصعيد الممنهج، يتداول الكونغرس الأمريكي حالياً مشروعي قرار يمنحان وزارة الخزانة صلاحية تمويل بعثة حفظ سلام متعددة الجنسيات في السودان خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إصدارهما. النص المسرب يشير إلى تنسيق مباشر مع القيادة الأمريكية في أفريقيا ( أفريكوم ) ،،و قوات الاحتياط لشرق أفريقيا ( الإيساف).. East Africa Standby Force..
و لعل ملف مزاعم (الكيميائي.. كما يقول مراقبون.. ،،يوفر الغطاء القانوني والدولي اللازم لمثل هذا التدخل، ويمنح البيت الأبيض تفويضاً لتمويل وتسليح بعثة دولية دون العودة لمجلس الأمن.كما فعلت من قبل ضمن تحالفات إقليمية في العراق وسوريا واليمن و ليببا.
هل يا تري يرقي هذا القرار الي تكرار قائمة الإرهاب.؟؟
أوجه الشبه بين هذا القرار الاخير و وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب سابقاً كبيرة، بل إن تهمة السلاح الكيميائي تبدو اخطر و أشد وسعا.. حيث كان السبب سابقا رعاية الإرهاب،،، أما اليوم فالسبب أسلحة دمار شامل. هذا من شأنه أن يمنح واشنطن غطاءا لفرض عقوبات ثانوية…Secondary Sanctions. على أي دولة أو بنك أو شركة في العالم تتعامل مع السودان، كما حدث من قبل مع البنوك الفرنسية والسويسرية ويمنع حتى إعادة تصدير أي منتج فيه مكون أمريكي الي السودان
النتيجة واحدة: عزلة مصرفية وتقنية شاملة ..
الجدير بالذكر أن العقوبات في إطار وضع السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب عام ١٩٩٣.. كما سلف القول… هي التي اقعدت تماما بقطاعي النقل الجوي و السكك الحديدية نسبة لتعذر شراء الاسبيرات لانها منتجات أمريكية…
لكن من المهم التمييز بين أمرين:
هذا القرار لا يعني صدور حكم دولي بأن السودان استخدم أسلحة كيميائية.
كما أنه لا يعني إدانة من جهة قضائية دولية، بل هو قرار أمريكي أحادي استند إلى تقييم الحكومة الأمريكية، ويمكن أن يظل محل نزاع أو رفض من جانب الحكومة السودانية.
لذلك، من الناحية القانونية، هذه العقوبات تعكس الموقف الرسمي للولايات المتحدة، لكنها لا ترقى وحدها إلى إثبات المسؤولية الجنائية الدولية. أما إذا فُتح تحقيق من جهات دولية مستقلة أو صدرت قرارات من هيئات دولية مختصة، فسيكون لذلك أثر قانون.
لكن التجربة في مسار العلاقات السودانية الأمريكية علمتنا ان أمريكا عندما وضعت السودان ضمن قائمة الدول الراعية للارهاب.. لم تكن تلك العقوبات في حاجه الي مظلة قانونية دولية.. كما أنها و من دون تشرىعي دولي ظلت سارية المفعول و طبقت عقوبات ثانوية Secondary Sanctions. تعدت الإطار الثنائئ بين البلدين حيث شملت عقوبات واشنطن كل الدول و المصارف الدولية تعاملت مع السودان منذ عام ١٩٩٣ حتى سقوط نظام الانقاذ… و يحرم علي اي دولة إعادة تصدير اي منتج أمريكي الي السودان،، و هذا… كما سلف القول… ما اقعد باقتصاد السودان و قطيعة تامة مع كافة المنظومة المصرفيه الدولية و ما أحدثته من ضرر بالغ لقطاعي النقل الجوي و السكك الحديدية..
الكثير من التداعيات الاقتصادية و المصرفيه على السودان من جراء هذا القرار الذي يشي بإعادة إنتاج وضع السودان و ضمن قائمة الدول الراعية للارهاب.. في الحلقة القادمة من المقال ان شاء الله..











إرسال تعليق