هل نحن ذاهبون نحو دولةٍ تتآكل أطرافها حتى تختفي، أم نحو صدمةٍ توقظ الضمير الجمعي قبل فوات الأوان؟

  • بتاريخ : 3 مايو، 2026 - 6:57 م
  • الزيارات : 6
  • في أثر اغتيال اسرة كيكل…حين يتحول الألم إلى سؤال عن مصير وطن

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “محام- كاتب- مستشار قانوني”

    ليست الوقائع سواء؛ فبعضها يمرّ عابرًا لا يترك في الذاكرة غير أثرٍ خافت، وبعضها يقتحم الوعي اقتحامًا، كأنما أُريد له أن يكون فاصلاً بين زمنين.

    وحادثة اغتيال أسرة كيكل، بما تنطوي عليه من قسوةٍ تتجاوز حدود الفعل إلى دلالاته، لا تُقرأ بوصفها جريمةً معزولة، بل بوصفها علامةً على اختلالٍ أعمق في ميزان الدولة والمجتمع معًا.

    إن ما نواجهه لم يعد مجرد تراجعٍ في مستويات الأمن، بل انحسارٌ تدريجي لفكرة الدولة ذاتها، تلك التي تقوم – في أبسط تعريفاتها – على احتكار العنف المشروع وصون الحقوق الأساسية للمواطنين. فإذا ما استُبيحت البيوت، وسقطت الحواجز التي كانت تفصل بين العام والخاص، فإن المعنى الكامن وراء ذلك يتجاوز الفعل المباشر إلى انهيار المرجعية التي تنظّم العلاقة بين الأفراد والجماعة. عندها، لا يعود القانون هو الحاكم، بل تحلّ محله موازين القوة، وتغدو العدالة مفهومًا مُعلّقًا بين الرغبة والعجز.
    وليس أخطر من ذلك إلا ما يتسلل في هدوء إلى الضمير الجمعي من تآكلٍ بطيء؛ إذ يفقد الناس، مع تكرار الصدمات، قدرتهم على الدهشة، ويتراجع الإحساس بفداحة الفعل أمام اعتياده. وهنا، تتحول الكارثة من حدثٍ يُستنكر إلى واقعٍ يُتكيّف معه، وتلك هي اللحظة التي يبدأ فيها الخراب الحقيقي؛ لأن الأمم لا تُهزم حين تُستباح حدودها فحسب، بل حين تُستباح معاييرها، ويختلّ ميزان القيم الذي يحكم سلوكها.

    ومن ثمّ، فإن الخطر لا يكمن في العنف لذاته، بل في تحوّله من صراعٍ يمكن احتواؤه إلى حالةٍ مجتمعيةٍ مفتوحة، تتداخل فيها الانتماءات، وتُحمَّل الجماعات وزر الأفراد، فينفتح باب الثأر على مصراعيه، ويغدو الانتماء بديلاً عن الحقيقة، والغضب بديلاً عن العدل. وفي مثل هذه البيئات، تتفكك الروابط التي كانت تشدّ المجتمع إلى فكرةٍ مشتركة، ويتحوّل الوطن من إطارٍ جامع إلى فضاءٍ تتنازعه الولاءات الضيقة.

    ومع ذلك، فإن السير في هذا المنحدر ليس قدرًا لا يُردّ، فالتاريخ – في منعطفاته الحاسمة – كثيرًا ما يُتيح للأمم فرصة أن ترى نفسها على حقيقتها، وأن تدرك حجم ما آل إليه حالها، فتختار، عن وعيٍ أو عن اضطرار، طريقًا مغايرًا. غير أن مثل هذا التحول لا يتحقق بالتمنّي، بل بوضوح الموقف وصلابة الإرادة؛ بإدانةٍ لا لبس فيها لكل انتهاكٍ يطال المدنيين، وبإعادة الاعتبار للقانون كسلطةٍ فوق الجميع، وبكبح الخطاب الذي يُسوّغ الكراهية ويمنحها غطاءً أخلاقيًا زائفًا. وقبل ذلك كله، باستعادة ذلك الحس الإنساني الذي يرى في الدم حرمةً مطلقة، لا مادةً للتأويل أو المساومة.

    قد تبدو اللحظة الراهنة أقرب إلى حافةٍ تتداعى عندها أطراف الدولة، ويتراجع فيها المجتمع عن مكتسباته التي راكمها عبر عقود. غير أن الحواف، في تجارب الأمم، ليست دائمًا نهاياتٍ محتومة، بل قد تكون بداياتٍ مستترة، إذا ما تحوّل الألم إلى وعي، والصدمة إلى مراجعة، والخوف إلى مسؤولية. فإما أن يستمر هذا التآكل حتى يطال الفكرة ذاتها، فتنطفئ في النفوس قبل أن تزول من الخرائط، وإما أن تكون هذه الوقائع القاسية جرس إنذارٍ أخير، يوقظ الضمير قبل أن يغدو الصمت صورةً أخرى من صور التواطؤ.

    وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يتغمّد الشهداء بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعلهم في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وأن يمنّ على الجرحى بالشفاء العاجل والتمام الكامل، وأن يعوّضهم خيرًا في مصابهم، وأن يُلهم ذويهم الصبر الجميل وحسن العزاء، وأن يربط على قلوبهم ربطًا جميلًا، ويجعل هذا الابتلاء كفّارةً ورحمةً لهم.

    اللهم احفظ البلاد والعباد، وألّف بين القلوب، واصرف عن السودان وأهله الفتن ما ظهر منها وما بطن.