مقترح تعديل تشريعي بشأن حبس المدين في الديون المدنية على قانون الإجراءات المدنية السوداني لسنة 1983م
إعداد:
الأستاذ/ الطيب مضوي ريحان – محام وباحث في القانون
___________________________
أولًا: الديباجة (الأسباب الموجبة للتعديل)
لما كان حبس المدين في الديون المدنية يمس أحد أهم الحقوق الدستورية والإنسانية، وهو الحق في الحرية الشخصية،
ولما كانت التجربة العملية قد أثبتت أن الحبس لا يحقق الغاية التنفيذية المرجوة، بل يؤدي في كثير من الحالات إلى تعطيل قدرة المدين على السداد،
ولما كانت الشريعة الإسلامية قد فرّقت بين المدين المعسر والمدين المماطل،
ولما كان العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه السودان، قد حظر صراحة سجن الإنسان لمجرد العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي،
فقد أصبح من الضروري إعادة تنظيم النصوص المتعلقة بالقبض والحبس في التنفيذ المدني، بما يحقق التوازن بين حقوق الدائن وضمانات المدين.
ثانيًا: الإشكالية في النص الحالي:-
1. النصوص الحالية في قانون الإجراءات المدنية:
توسّع من سلطة الحبس دون تعريف دقيق لمفهوم الامتناع.
لا تفرّق صراحة بين العجز الحقيقي والتهرب العمدي.
لا تضع سقفًا زمنيًا واضحًا للحبس.
لا تُلزم المحكمة باستنفاد وسائل التنفيذ البديلة قبل الحبس.
2. هذا الوضع يؤدي إلى:
تعارض محتمل مع الالتزامات الدولية للسودان.
إساءة استخدام سلطة التنفيذ.
تحميل الدولة أعباء اجتماعية واقتصادية دون مردود حقيقي.
ثالثًا: النص المقترح للتعديل
(1) تعديل المادة (243)
النص الحالي(1) (مع مراعاة أحكام المادة 244 ودون المساس بأية طريقة أخرى من طرق تنفيذ الأحكام متي كان
الحكم متعلقا بالوفاء بدين أو يقضي بسداد مال فيجب القبض علي المدين وحبسه حتى تمام الوفاء إلا إذا:-
كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم.
(2 (إذا كان المدين شخصا اعتباريا تحبس المحكمة الشخص أو الأشخاص الذين يناط بهم سداد الدين أو
الأمر بالوفاء به.)
النص المقترح:…..
( “يكون تنفيذ الأحكام المدنية الجائزة التنفيذ بإحدى الوسائل الآتية، بحسب الترتيب الآتي:
(أ) التنفيذ على الأموال المنقولة وغير المنقولة،
(ب) الحجز التنفيذي،
(ج) التسوية أو التقسيط تحت إشراف المحكمة،
(د) الضمانات والكفالات،
(هـ) القبض والحبس، كوسيلة استثنائية، ولا يُلجأ إليه إلا وفقًا لأحكام هذا القانون وبعد استنفاد الوسائل السابقة.”
(2) تعديل المادة (244) – أمر القبض.
النص المقترح:
( “لا يجوز للمحكمة إصدار أمر بالقبض أو الحبس في التنفيذ المدني إلا بعد:
(1) ثبوت قدرة المحكوم عليه المالية على السداد،
(2) ثبوت امتناعه العمدي أو تهربه من التنفيذ،
(3) إجراء تحقيق قضائي مختصر يُمكَّن فيه المحكوم عليه من إثبات عجزه،
(4) بيان أسباب الأمر تسبيبًا كافيًا في القرار.”
(3) إضافة مادة جديدة (244/أ) – حظر الحبس عند الإعسار
( “يحظر حبس المحكوم عليه إذا ثبت إعساره أو عجزه الحقيقي عن السداد، ويُعد الإعسار سببًا مانعًا من الحبس، وعلى المحكمة في هذه الحالة أن تأمر بوسيلة تنفيذ بديلة.”
(4) تعديل المادة (246) – مدة الحبس
النص المقترح:
_( “يكون الحبس في التنفيذ المدني محدد المدة، ولا يجوز أن يتجاوز ثلاثين يومًا قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ولا يُجدّد الحبس إلا بقرار مسبب يثبت استمرار التهرب.”
(5) إضافة مادة (246/أ) – بدائل الحبس
(“يجوز للمحكمة، بدلًا عن الحبس، أن تأمر بأي من التدابير الآتية:
(أ) تقسيط الدين وفق جدول زمني،
(ب) الحجز على جزء من الدخل،
(ج) تقديم ضمان مالي أو كفيل،
(د) منع السفر بضوابط قضائية محددة،
(هـ) أي تدبير آخر يحقق التنفيذ دون المساس غير المبرر بالحرية.”
(6) إضافة مادة (247/أ) – التوافق مع الاتفاقيات الدولية
“تُفسَّر وتُطبَّق أحكام هذا الباب بما يتفق مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وبما لا يؤدي إلى حبس أي شخص لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام مدني.”
رابعًا: الأساس الشرعي للتعديل
قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾
إجماع الفقهاء على:
عدم حبس المعسر.
جواز الضغط على المماطل القادر فقط.
اعتبار الحبس وسيلة استثنائية تعزيرية لا أصلًا ثابتًا.
خامسًا: الأثر المتوقع للتعديل
✔️ حماية الحرية الشخصية
✔️ تعزيز الثقة في العدالة المدنية
✔️ رفع كفاءة التنفيذ
✔️ تقليل الاكتظاظ في السجون
✔️ مواءمة التشريع السوداني مع المعايير الدولية…
سادسًا: الخاتمة
إن هذا التعديل لا ينتقص من حق الدائن، بل يعيد توجيه التنفيذ من العقوبة إلى الاستيفاء، ويجعل الحبس آخر الحلول لا أولها، ويؤسس لتشريع مدني عادل يوازن بين الحق والحرية.
الأستاذ/ الطيب مضوي ريحان… المحامي والباحث القانوني











إرسال تعليق