حوارات حول الأفكار || د.حيدرمعتصم مدني
*حوار الدولة و الأيدلوجيا
(4-5)
*”حين تعود الأيدلوجيا إلى* *قيادة العالم* :
قراءة في عودة الصراع الفكري في السياسة الدولية
إذا كانت حادثة الجدل حول تصريح الناجي عبدالله قد فتحت باب النقاش حول العلاقة بين خطاب الدولة والخطاب الأيديولوجي في السودان، فإن النظر إلى المشهد العالمي يكشف أن هذه الإشكالية لم تعد محصورة في التجارب السياسية الهشة أو الدول التي تمر بظروف انتقالية.
في الحقيقة، يبدو أن التوتر بين الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا براغماتيًا والأيديولوجيا بوصفها رؤية صراعية للعالم أصبح ظاهرة تمتد حتى إلى قلب الديمقراطيات الراسخة، ففي السنوات الأخيرة شهدت أوروبا – التي طالما قُدمت نموذجًا للدولة الحديثة القائمة على العقلانية السياسية – صعودًا ملحوظًا للتيارات القومية و الدينية المتشددة، وهي تيارات تبني خطابها السياسي على رؤية ثقافية أو حضارية حادة تجاه الإسلام والهجرة والثقافات القادمة من خارج الفضاء الأوروبي.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في المزاج الانتخابي، بل يكشف عن عودة قوية للخطاب الأيديولوجي إلى قلب السياسة العالمية.
وفي الجانب الآخر من العالم تتداخل في بعض الصراعات المعاصرة عناصر دينية وأيديولوجية وتاريخية بطريقة تجعل الفصل بين المصالح السياسية والرؤى العقائدية أمرًا شديد الصعوبة، ففي بعض الحالات تختلط الحسابات الاستراتيجية بنصوص دينية أو سرديات تاريخية، وتتحول السياسة إلى ساحة يتقاطع فيها الاعتقاد بالمصالح، والرمزالديني بالقرار السياسي.
وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً، فالسياسة الدولية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية كانت تميل – في أغلب الأحيان – إلى لغة المصالح والتوازنات، حيث كانت الدول الكبرى تدير صراعاتها وفق حسابات استراتيجية واضحة، حتى عندما كانت تلك الصراعات تتخذ شكل مواجهة أيديولوجية كما حدث خلال الحرب الباردة.
أما اليوم فيبدو أن العالم يشهد شيئًا مختلفًا:
عودة تدريجية للخطابات التي تفسر الصراعات بوصفها مواجهات حضارية أو ثقافية أو دينية.
وفي مثل هذا السياق تعود إلى الذاكرة صفحات قديمة من التاريخ، حين كانت الحروب تُخاض تحت رايات تحمل رموزًا دينية أو حضارية واضحة؛ من الحملات التي كانت تتقدمها رايات الصليب في غالب الحروب الأوروبية القديمة، إلى الفتوحات التي كانت تتقدمها رايات الهلال في التاريخ الإسلامي.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا درسًا مهمًا:
أن تلك اللحظات التي يطغى فيها الخطاب الأيديولوجي على حسابات الدولة غالبًا ما تكون الأكثر اضطرابًا في مسار العلاقات بين الشعوب، فحين تتحول السياسة إلى امتداد للصراع العقائدي، يصبح من الصعب ضبط النزاعات داخل حدود المصالح أو التوازنات، لأن كل طرف يرى نفسه حينها حاملًا لقضية كبرى تتجاوز الحسابات السياسية العادية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين مستويين مختلفين من التفكير السياسي، الأول هو مستوى الأفكار والرؤى الحضارية التي تشكل جزءًا طبيعيًا من تنوع العالم واختلاف ثقافات، أما الثاني فهو مستوى إدارة الدول لعلاقاتها ومصالحها في عالم مترابط تحكمه توازنات دقيقة.
وعندما يختلط المستويان، تبدأ السياسة في فقدان قدرتها على إدارة الصراع بطريقة عقلانية.
من هذه الزاوية قد تبدو بعض الأحداث المحلية – مثل الجدل الذي دار حول خطاب سياسي أو تصريح إعلامي – جزءًا صغيرًا من ظاهرة أوسع يعيشها العالم اليوم:
ظاهرة عودة الأيديولوجيا بقوة إلى ساحة السياسة الدولية.
وهذا يطرح سؤالًا كبيرًا أمام الدول، خاصة تلك التي تمر بمرحلة إعادة بناء أو إعادة تعريف لذاتها السياسية:
كيف يمكن للدولة أن تحافظ على هويتها الثقافية والفكرية، دون أن تتحول هذه الهوية إلى مصدر توتر دائم في علاقاتها مع العالم؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكنها تبدأ بإدراك حقيقة بسيطة:
أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة في الفصل بين لغة الهوية ولغة الدولة.
فالهوية يمكن أن تلهم الشعوب وتمنحها معنى وعمقًا حضاريًا،
لكن إدارة الدول تحتاج في النهاية إلى شيء آخر:
إلى القدرة على تحويل التنوع والصراع إلى توازن قابل للحياة، وهذا التحدي لا يخص السودان وحده، بل يبدو أنه أصبح أحد الأسئلة الكبرى التي يواجهها العالم في لحظته الراهنة









إرسال تعليق