عندما يستغل القانون لتصفية الحسابات و تمرير أجندة سياسية من قبل حقوقيين (3-4)

  • بتاريخ : 31 يناير، 2026 - 6:26 م
  • الزيارات : 22
  • .

    بقلم /السفير الصادق المقلي

    (ب) مسار العلاقات بين السودان و المحكمة الجنائية الدولية*

    لا بد من الاشاره هنا الى ان السودان شارك في الاجتماعيات التحضيرية بشأن انشاء محكمة جنائية دولية دائمة في التسعينات من القرن الماضي.. بل شارك في المؤتمر الدولي الذى انعقد في روما عام ١٩٩٨ بوفد برئاسة وزير العدل وقتها مولانا على محمد عثمان يس. و ووقع من بين ١٢٠ دولة علي قرار المؤتمر بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.. و وقد القي السيد الوزير كلمة ضافية إنابة عن الدول العربيه، ترحيبا بإنشاء المحكمة بإعتبارها الألية المثلي للحد من الإفلات من العقاب. و من بعد وقع السودان على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية و الذي دخل حيز النفاذ في يوليو عام ٢٠٠٢. و قد أعرب نظام الإنقاذ عن سحب إعترافه بالمحكمة إثر إصدار المحكمة أوامر قبض دولية عام ٢٠٠٩ في حق البشير و آخرين.. و قد كان من بينهم على كوشيب الذي سلم نفسه طواعية للمحكمة في أفريقيا الوسطى و تمت محاكمته في لاهاي بالسجن لمدة عشرين عاما… بتهم جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية في دارفور.. و قد طالب الاتهام في المحكمة بإستئتاف هذا الحكم بإعتباره لا يرقي و فظاعة الجرائم المرتكبة..
    و نستعرض فيما يلي دفوعات بعض المشرعين و الحقوقيين الحبلي بالمعلومات القانونيه المغلوطة في محاولة لتفنيد عدم إنعقاد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية علي البشير و الذين معه،، ممن صدرت في حقهم أوامر قبض دولية.
    في إفادات لنائبه المدعالعام للمحكمة الجنائية الدولية ، شيم خان أمام مجلس الامن في العاشر من يوليو العام الماضي . ذكرت
    ( إن محكمة الجنايات الدولية تعتزم اتخاذ خطوات جادة وميدانية لضمان اعتقال المطلوبين لديها وعلى رأسهم الرئيس السوداني السابق عمر حسن أحمد البشير والقياديين البارزين أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين.
    مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يخطط للقيام بزيارة جديدة إلى السودان خلال الفترة المقبلة مشيرة إلى أن هذه الزيارة ستكون بهدف العمل الجاد والتركيز على تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحق المطلوبين الذين لا يزالون داخل السودان..)
    دفوعات النائب العام و وزير العدل السابق و الحالي عبدالله درف و السفير الحارث في نيويورك وقتها و غيرهم حول من الحقوفيين،، تعقيبا على إفادة نائبة المدعى العام ، هي نفسها التي استند عليها من قبل الاستاذ محمد الحسن الامين محامي البشير في مقابلة له في قناة الجزيره مباشر حول موقف الحكومة السودانية من تسليم البشير و وأعوانه ممن صدرت بحقهم مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية..
    فقد أوضحوا من جهة أن القانون السوداني راغب و قادر علي محاكمة المتهمين َ.و من جهة اخري تحدثوا عن عدم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بذريعة أن السودان ليس طرفا في ميثاق روما.
    افادات تنم عن معلومات مغلوطة عن القانون الجنائي السوداني و عن ميثاق روما نفسه.
    فقد ذكروا ان المتهمين ظلوا لخمس سنوات في الحبس،، و كأن لسان حاله يقول ان مذكرات التوقيف الدولية في حق البشير و الذين معه سقطت بالتقادم.. و هو يعرفون جيدا ان هذه المحاكمات لا دخل لها بمذكرات التوقيف الدولية الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.. … و انما هي محاكمات تخص تهمة تتعلق بقضايا جنائية اخري على راسها تهمة تدبير و تنفيذ انقلاب 1989..
    من جهة أخرى اشاروا الي أن السودان ليس طرفا في ميثاق روما الدولي،،، بمعني ان القرار 1593 الذي احال مجلس الامن الحالة في دارفور وقتها الي لاهاي بموجب المادة 13ب من ميثاق روما يخص فقط الدول الأطراف في الميثاق لا دخل للميثاق بالدول غير الأطراف كالسودان..
    و هذا إلتفاف في غير موضعه حول إختصاص كلا المحكمه الجنائية الدولية و القانون الجنائي السوداني لعام 1991 تعديل 2010..
    فعلا السودان ليس طرفا في ميثاق روما،،، إلا أنه عضو في الامم المتحده.. و القرار 1593 لعام 2005 هو الذي أحال بموجبه مجلس الأمن الحالة في دارفور الي المحكمة الجنائية الدولية كما اشرنا آنفا بموجب المادة 13 ب الخاصة بالدول غير الأطراف في ميثاق روما. و القرار 1593 الذي صدر عن مجلس الامن عام 2005،، تحت الفصل السابع، يلزم كل الدول الأعضاء في الامم المتحدة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
    تجدر الاشاره الي ان حكَومة الموجة الاولي من الفترة الانتقالية شرعت في التعاون مع الجنائية الدولية حيث صدر قرار في هذا الصدد إلا أن انقلاب اكتوبر 2021 احال دون ان تمضي حكومة د حمدوك قدما في هذه الخطوة.
    لذلك ليس لما ذهب اليه هؤلاء الحقوقيين اي مسوغ قانوني،،، و انما ياتي هكذا موقف من منطلق سياسي بحت..علما بأن مدعي المحكمة الجنائية الدولية الجديد كريم خان، ما فتأ يطالب الحكومة السودانية بالتعاون في تسليم المتهمين الي المحكمة في لاهاي.
    ثانيا.. علي خلاف ما ذكروا ،،فان القضاء السوداني.. حتي و لو كان راغبا، فهو غير قادر على محاكمة المتهمين في السودان…ليس لأسباب مهنية او قدح في مقدراته و كفاءته المهنية. و انما هذه الرغبة تصطدم بعدم اشتمال القانون الجنائي لعام 1991 وقت صدور مذكرات التوقيف الدولية علي الجرائم الاربع المنصوص عليها في ميثاق روما.. المادة الخامسة.. جريمة الحرب جريمة ضد الإنسانيه و الإبادة الجماعية و جريمة العدوان….
    و وفق القواعد العامة للقانون الجنائي، ، فلا جريمة بدون نص،، و لا عقوبة بدون نص.. المواد ٢٢،٢٣ و ٢٤ في ميثاق روما.
    نعم لقد تم تعديل القانون الجنائي لعام ١٩٩١،في عام 2010 بحيث إشتمل علي الجرائم الاربع في ميثاق روما.
    لكن نسي المشرع ان لا رجعية للاثر في القانون.. اذ ان الجرائم المتهم بها البشير و وأعوانه ارتكبت عامي 2003_2004..و قد تم هذا التعديل بعد صدور مذكرة التوقيف الدولية في حق البشير عام 2009 بغية المحاكمة داخل السودان وفق القانون الجنائي السوداني..
    الجدير بالذكر في هذا المقام أن عدم تعاون السودان مع المحكمة الجنائية الدولية جمد عضويته في التجمع الإقليمي الذي يختص بشراكة بين الاتحاد الأوروبي و دول إفريقيا ،، الكارببي و الباسيقيكي المعروفه EU__ACP…نسبة لامتناعه عن الموافقة علي التعديل الثاني لإتفاقية كوتونو.. بنين.. في اجتماع المجموعة عام 2010 في اوقادوقو.. بوركينافاسو.. و الذي ينص علي الزام الدول الأعضاء التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.. الأمر الذي افقد السودان مئات الملايين من مخصصات التنمية من قبل الإتحاد الأوروبي لعضوية المجموعة َ.. آسف للاستطراد للاهمية. توضيحت للآثار السلبية لعدم التعاون مع المحكمة.
    و لا شك ان الحقوقيين يدركون تماما أنه حسب المبادئ العامة للقانون الجنائي لا جريمة و لا عقوبة بدون نص. و لذلك لم ينطبق علي القضاء السوداني مبدأ التكاملية .
    Complementarity
    نسبة كما ورد آنفا لعدم وجود نص في القانون الجنائي السوداني لعام 1991،،فضلا عن اصطدام تعديل 2010 بعدم رجعية الأثر.
    و لذلك ترك الباب للحكومة السودانية مواربا اَأمام خيارين لا ثالث لهما،. ،، إما التسليم الي لاهاي او عقد محاكمة هجين في السودان Hybrid Court.. وفق المادة 3 من ميثاق روما التي تتيح للمحكمة الجنائية الدولية الانعقاد خارج المقر في لاهاي .. بمشاركة قضاة و محامين سودانيين لكن وفق اختصاص و ترتيبات المحكمة الجنائية الدولية..
    و في سياق آخر سبق حاول إخرون تبرير عدم المثول ايضا بمبدأ التقادم،، و لعلهم يعلمون ان ميثاق روما لم يربط اختصاص أو انعقاد المحكمة الجنائية الدولية بقصر او طول المدة الخاصة بإصدار مذكرات التوقيف الدولية، ،،بمعني ان التهمة لا تسقط بالتقادم ، وفق المادة 86 من ميثاق روما.
    بل ذكر آخرون ان المتهمين كانوا ماثلين قبل الحرب الي محاكمات داخلية. و هم يعرفون جيدا ان هذه المحاكمات لا دخل لها بمذكرات التوقيف الدولية في حق البشير و الذين معه… و انما هي محاكمات تخص تهمة تتعلق بقضايا جنائية اخري معروفة..
    من جهة أخرى حاول بعض المشرعين و الحقوقيين الدفع بعدم انعقاد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية علي السودان لأنه ليس طرفا في ميثاق روما.. و لكنهم تناسوا
    أن السودان،، بالرغم من انه ليس طرفا في ميثاق روما،،، إلا أنه عضو في الامم المتحده.. و القرار 1593 لعام 2005 صدر تحت الفصل السابع، ،هو الذي أحال بموجبه مجلس الأمن الحالة في دارفور الي المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 13 ب الخاصة بالدول غير الأطراف في ميثاق روما، .كما ذكرنا آنفا،
    و قرار مجلس الأمن 1593 الذي صدر مجلس الامن عام 2005،،، يلزم كل الدول الأعضاء في الامم المتحدة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية
    و قد نص علي إلزامية التعاون في المادة ٨٧ علي ٧ في ميثاق روما علي النحو التالي. ،،،،

    (( حالة عدم امتثال دولة طرف لطلب تعاون مقدم من المحكمة بما يتنافى وأحكام هذا النظام الأساسي ويحول دون ممارسة المحكمة وظائفها وسلطاتها بموجب هذا النظام يجوز للمحكمة أن تتخذ قرار بهذا المعنى وأن تحيل المسألة إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن إذا كان مجلس الأمن قد أحال المسألة إلى المحكمة ))..
    و سنرى ان شاء الله في الحلقه القادمة ما يمكن إعتباره نقلة نوعية او مغادرة لمربغ عدم اعتراف حكومةٍ الأمر الواقع الجنائية الدولية من خلال تصريحات وزير العدل درف و نائب المندوب الدائم للسودان في نيويورك.. و عما اذا كانا يعنيان ما يقولان.