شذى عبد الله طه تكتب : ليس كل هدوءٍ سلامًا

  • بتاريخ : 29 يناير، 2026 - 7:53 ص
  • الزيارات : 34
  • في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، صار الهدوء يُمدَح دون أن يُسأل عن مصدره، وأصبحت السكينة تُنسب أحيانًا إلى قلوبٍ لم تهدأ، بل استسلمت. وبين الهدوء والسلام مسافة لا يراها كثيرون، مسافة يصنعها الوعي، وتكشفها التجربة، ويؤكدها الإيمان. فليس كل صمت طمأنينة، ولا كل انسحاب حكمة، ولا كل قبول رضا.
    السكينة حالة نور، تنبع من الداخل، من قلبٍ فهم الحكمة فاطمأن، ومن نفسٍ تعبت لكنها لم تنكسر، ومن روحٍ سلّمت أمرها لله دون أن تتخلى عن حقها في الفهم والسؤال والسعي. أما الاستسلام، فغالبًا ما يكون نتيجة إنهاك طويل، حين يتوقف الإنسان عن المقاومة لا لأنه وصل إلى السلام، بل لأنه فقد القدرة على الاستمرار.
    هناك فرق دقيق بين من هدأ لأنه وثق، ومن هدأ لأنه استنزف.
    الأول يهدأ وقلبه حي، والثاني يسكن وقلبه مثقل.
    الأول يسلّم وهو مطمئن أن الله يدبّر، والثاني يترك لأنه لم يعد يحتمل.
    في التربية، كثيرًا ما نُربك أبناءنا حين نعلّمهم الصمت قبل الفهم، والطاعة قبل الوعي، والقبول قبل الإدراك. نخلط عليهم بين السكينة والانسحاب، وبين الرضا والتخلّي. نطالبهم بالهدوء دون أن نسأل: هل هذا الهدوء نابع من طمأنينة، أم من خوف؟ من قناعة، أم من قهر؟ من إيمان، أم من تعب؟
    الإيمان الحقيقي لا يصنع إنسانًا مستسلمًا، بل إنسانًا ثابتًا.
    الثبات لا يعني غياب الألم، بل القدرة على حمله دون أن يفسد القلب.
    والسكينة لا تعني أن نتوقف عن المحاولة، بل أن نُحسن الظن بالله ونحن نحاول.
    كم من شخص يبدو هادئًا، لكنه في داخله مزدحم بالأسئلة المؤجلة، والوجع المؤدب، والخيبات التي لم يُسمح لها أن تُقال. هذا الهدوء لا يشفي، بل يؤجل الانفجار. لأن النفس التي لا تُفهم، لا تهدأ حقًا، وإن صمتت طويلًا.
    السكينة الإيمانية لا تُلغِي المشاعر، بل تُهذّبها.
    لا تطلب منك أن تكتم حزنك، بل أن تحمله بوعي.
    لا تدعوك إلى إنكار الألم، بل إلى فهمه في سياق أوسع من اللحظة.
    هي سكينة من يعرف أن الله عادل، حتى حين تتأخر العدالة، وحكيم، حتى حين لا نفهم الحكمة.
    أما الاستسلام، فهو أن نتوقف عن السؤال، لا لأننا وجدنا الجواب، بل لأننا تعبنا من الانتظار. أن نقنع أنفسنا بأن ما يحدث لا يستحق المقاومة، بينما الحقيقة أننا لم نعد نملك الطاقة. وهنا يصبح الهدوء قناعًا، لا راحة.
    في حياتنا اليومية، نحتاج أن نُعيد تعريف الهدوء داخلنا.
    أن نسأل أنفسنا بصدق:
    هل أنا هادئ لأنني متصالح؟
    أم لأنني فقدت الرغبة؟
    هل سكينتي نابعة من إيمان، أم من انسحاب؟
    التربية الإيمانية الحقيقية لا تخرّج نفوسًا خانعة، بل قلوبًا مطمئنة وعقولًا واعية. تُعلّم الإنسان أن يسعى دون هلع، وأن يقبل دون أن يُلغِي نفسه، وأن يهدأ دون أن يتخلى عن حقه في الفهم والتغيير.
    ليس كل هدوء سلامًا…
    فالسلام لا يُرهق صاحبه، ولا يترك في القلب غصّة دائمة، ولا يجعل الإنسان غريبًا عن نفسه.
    السلام يوسّع الصدر، حتى وسط الضيق.
    يمنحك قدرة على الوقوف، لا مجرد القدرة على الاحتمال.
    وحين نميّز بين السكينة والاستسلام، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو النضج. نعرف متى نُسلّم أمرنا لله، ومتى ننهض، ومتى نصبر، ومتى نغيّر. فالله لم يخلقنا لننطفئ بهدوء، بل لنحيا بوعي، ونطمئن بثقة، ونسكن إليه لا إلى التعب.

    شذى عبد الله طه زين الدين

    قهوتي أحب شربها باردة ☕