السلطة والعنف… دائرة تُعيد إنتاج نفسها
بقلم /نجلاء كرار
عندما تُولد السلطة من رحم العنف، غالبًا ما تكبر على نفس المبدأ… وتُدار بذات الأدوات.
فمن يستلم الحكم بالقوة، يميل — بوعي أو بدونه — إلى إدارة الدولة بنفس المنطق:
القوة بدل الحوار، والإخضاع بدل المشاركة، والردع بدل القبول.
وهكذا يتحول العنف من حدث عابر إلى أسلوب حكم،
ومن وسيلة إلى ثقافة تُغرس في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
في هذه الحالة، لا يعود المواطن شريكًا في القرار،
بل يصبح مجرد متلقٍ لما يُفرض عليه…
تتقلص مساحة صوته، وتُستبدل إرادته بالتوجيه القسري،
وتُختزل السياسة في معادلة بسيطة: من يملك السلاح يملك القرار.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة…
ولا تستقر بهذه المعادلة.
فالعنف قد يُخضع جسدًا، لكنه لا يصنع قناعة،
وقد يفرض الصمت، لكنه لا يخلق استقرارًا حقيقيًا.
وكل نظام يُقصي الناس من حقهم في المشاركة،
إنما يزرع بذور التوتر في داخله، حتى وإن بدا هادئًا في ظاهره.
وفي السياق السوداني، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح مؤلم؛
حيث تعثرت مسارات الديمقراطية، وتراجعت فكرة الإرادة الشعبية،
وتقدمت أدوات القوة على أدوات الحوار.
لكن التجربة الإنسانية عبر التاريخ تُثبت دائمًا أن
الحكم المستند إلى العنف لا يصنع دولة مستقرة،
بل يخلق حالة دائمة من التوتر، والتوجس، وإعادة إنتاج الأزمة.
الدولة التي تُدار بالعصي والبنادق…
لا تحتاج فقط إلى تغيير أدواتها،
بل إلى إعادة تعريف معنى السلطة نفسها:
هل هي سيطرة؟ أم مسؤولية؟
هل هي فرض؟ أم عقد بين الناس؟
إن أخطر ما يفعله العنف في السياسة،
ليس فقط أنه يُخضع الناس،
بل أنه يُفرغ فكرة الوطن من معناها…
ويجعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على الخوف بدل الثقة.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا…
لأن الشعوب لا تفقد حقها في التطلع إلى حكم عادل،
حتى لو طال الطريق، وتعقدت الظروف.
فالسلام لا يُفرض بالقوة،
والاستقرار لا يُبنى بالخوف،
والدولة الحقيقية لا تقوم إلا حين يصبح الناس جزءًا من القرار، لا هدفًا له











إرسال تعليق