المغترب ونداء الكرامة

  • بتاريخ : 21 فبراير، 2026 - 3:52 ص
  • الزيارات : 156
  • بقلم /دكتور الزبير حمزة الزبير
    المملكة العربية السعودية
    استاذ جامعي

    المغترب هو شخص يعيش مؤقتًا أو بشكل دائم في بلد غير بلده الأصلي وغالبًا ما يكون دافع الاغتراب هو العمل الدراسة، أو البحث عن حياة أفضل عن طريق التعاقد أو الاعارة من مؤسسات وطنه الاصلي مع نية العودة في النهاية إليه ،
    وبذلك يكون ابتعاده عن الوطن ابتعاداً جغرافياً ليس غير
    فالبُعد الجغرافي لا يعني القطيعة الوجدانية، ولا يُسقط الواجب الوطني بل قد يحمّله أمانة مضاعفة لأنه يرى وطنه من الخارج، ويمثّله في كل سلوك وكل كلمة وكل موقف. وهو يقف مع نفسه ويسالها بصدق ماذا قدّم لوطنه وهو يمرّ بحرب الكرامة هل كان حاضرًا حيث يجب أن يكون ولو بالدعاء، أو الدعم، أو النصرة المعنوية.
    إن من أسوأ ما يُواجه المغترب في مثل هذه الظروف، أصوات التشكيك والتخوين، ومحاولات إخراجه من معادلة الوطن وكأن الوطنية حكرٌ على من بقي داخل الحدود. غير أن هذه الأصوات مهما علت لا تغيّر من الحقيقة شيئًا؛ فالضجيج ليس دليل قوة، وكما قيل: البراميل الفارغة أكثر ضجيجًا. وقد علّمنا القرآن الكريم أن دفع الناس بعضهم ببعض سنّة كونية وأن تنوّع الأدوار ضرورة لحفظ التوازن ولذلك لا ينبغي للمغترب أن ينشغل كثيرًا بتصنيفات الآخرين، بل أن ينشغل بسؤال واحد جوهري: هل أدّيت دوري كما ينبغي؟ ودور المغترب في حرب الكرامة ليس أقل شأنًا، لكنه مختلف في طبيعته يبدأ هذا الدور من أبسط الأمور وهو أن يكون سفيرًا لوطنه في أخلاقه قبل أقواله، في صدقه، وأمانته، واحترامه للقوانين، وحُسن تعامله مع الناس لأن صورة الوطن كثيرًا ما تُختصر في تصرّف فرد واحد. ثم يتعدّى ذلك إلى واجبه تجاه أهله فلا يتركهم فريسة للحاجة أو العوز، ولا يغيب عن آلامهم بحجّة البُعد فالأهل هم خط الدفاع الاجتماعي الأول كما يمتد الدور إلى نصرة الضعفاء نازحٍ فقد مأواه أو مريضٍ أنهكته الحرب أو طالبٍ انقطعت به السبل. وقد يكون هذا الدعم مالًا أو جهدًا أو كلمة صادقة تُفتح بها أبواب الخير ولا يقلّ عن ذلك أهمية الإسهام في إعمار الوطن الصغير الأسرة، الحي، القرية عبر مبادرات التعليم، أو العلاج، أو إعادة البناء، فالأوطان الكبيرة تُبنى من هذه اللبنات الصغيرة. إن جرد الحساب الحقيقي لا يحتاج إلى عناوين رنّانة ولا منشورات صاخبة فالأفعال أوضح من الشمس في رابعة النهار. كل إنسان يعرف في قرارة نفسه أين وقف وماذا قدّم وما الذي قصّر فيه. فمن أدّى دوره بصدق مهما كان بسيطًا في نظر الآخرين فهو بطل في ساحات حرب الكرامة أما من آثر السلامة واكتفى بالمشاهدة وتهرّب من أي مسؤولية ثم ادّعى الحياد فذلك وإن لم يُحاسبه الناس سيبقى حسابه مفتوحًا مع ضميره وفي الختام تبقى الحقيقة واضحة الوطن لا يسأل أبناءه أين كنتم بل يسألهم ماذا فعلتم. وحرب الكرامة امتحان للجميع في الداخل والخارج، كلٌّ في موقعه. فطوبى لمن نجح في جرد حسابه وخرج منه وضميره مطمئن أنه لم يكن يومًا خارج صف الوطن، ولا متأخرًا عن نداء الكرامة.