بتاريخ : 10 فبراير، 2026 - 3:38 م
الزيارات : 52
بقلم / د. عبدالله أحمد عبداللّه
“مستشار قانوني بدولة البحرين”
مقدمة:
قرأت قبل مدة مقال لزميلي د. العبيد أحمد العبيد في صحيفة ديسمبر تناول فيه سلبيات تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ودعا إلى إبعاد الدين عن السياسة حفاظاً على قدسية الدين وإرساءً لمبدأ المساواة بين المواطنين حسبما يرى.
في الحقيقة كنت أنوي الكتابة عن هذا الموضوع المهم منذ فترة ليست بالقصيرة وقد حفزني مقال زميلي د.
العبيد على العودة إليه.
لا شك أن الموضوع معقّد وأثار ولا يزال يثير جدلا لم ينته بعد، وكما جاء في مقال للكاتب ياسر يوسف في موقع قناة الجزيرة، فإن تأثير الصراع السياسي الحاد، حوّل أمر الشريعة الإسلامية “من مشروع كان ينبغي أن يكون ثابتًا من ثوابت البناء الوطني، إلى مجرد مشروع للتنافس السياسي، تختلف حوله القوى السياسية اختلافًا بيّنًا.”
ورغم أن السياسيين قد انتقدوا قوانين الشريعة الإسلامية بعد زوال حكم النميري، وسموها بغير اسمها، حيث أطلقوا عليها قوانين سبتمبر 1983، لكن لم يجرأ أحد من السياسيين الذين حكموا بعد ذلك على الغائها بدءً بالحكومة الانتقالية بعد ثورة أبريل 1985 ثم حكومة السيد الصادق المهدي 1989-1986، وفي عهد الإنقاذ
1989-2019 ظلت هذه القوانين موجودة لكنها كانت تطبق على استحياء وبصورة انتقائية، وبعد سقوط الإنقاذ حاول اليساريون الذين تسلقوا على أكتاف الثوار الاقتراب منها وبدأوا بالفعل في تنفيذ مخططهم لكنهم لم يبلغوا مرادهم بسبب انقلاب البرهان وحميدتي عليهم في 2021 ثم قيام الحرب في 2023.
خلفية تاريخية:
دخلت العلمانية إلى السودان في العصر الحديث مع دخول الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر واستمر حكمهم حتى منتصف القرن العشرين تقريباً، وقد وجدت العلمانية الوضع مهيا بعد التجربة القاسية التي صاحبت تطبيق الشريعة الإسلامية في عهد المهدية، لذلك لم تكن هناك معارضة تذكر على تطبيق القوانين العلمانية، خاصةً وأن الإنجليز أتاحوا للناس الاحتكام إلى الشريعة في مجال الأحوال الشخصية.
استمر تطبيق القوانين العلمانية بعد الاستقلال وحتى سبتمبر 1983 مع إدخال بعض النصوص التي تشير إلى المرجعية الإسلامية، حيث اتخذ النميري قراراً جريناً بالتحول إلى القوانين الإسلامية وشرع في إزالة كل المظاهر المخالفة للشريعة، ولعل كبار السن يتذكرون حملة إهراق الخمور في شوارع الخرطوم ومنع شربها وصنعها وتداولها وقفل أماكن الدعارة والفجور وغيرها من المظاهرة السالبة، ويقال أن النميري فعل ذلك كمحاولة لإنقاذ حكمه الذي فقد مبررات استمراره، والله أعلم بالنوايا، لكن مهما تكون نيته فقد أحدث تحولاً كبيراً في النظام القانوني في السودان، وقد وجد قراره بتطبيق الشريعة الإسلامية ارتياحاً وقبولاً لدى عامة الشعب بسبب الوعي الذي حدث للناس بفضل الحملات التي قادتها التنظيمات الإسلامية بدءً بالإخوان المسلمين
[١٠/٢ ١٥:١٢] سملينة: الذين نادوا بضرورة تطبيق شرع اللّٰه والاحتكام إلى قوانين الشريعة الإسلامية وتبعهم في ذلك السلفيون ثم الطرق الصوفية.
الرد على الشبهات التي تثار حول تطبيق الشريعة الاسلامية:
أثيرت العديد من الشبهات حول الشريعة الإسلامية منها ما يلي:
– نصوص قديمة لا تتناسب مع العصر الحديث.
– قدسية الدين تتطلب إبعاده عن السياسة.
– انتهاك حقوق الأقليات وتهديد الوحدة الوطنية.
فيما يتعلق بالقول أنها قديمة، فهذا من وجهة نظري يصب في صالحها لانه يعني الثبات الذي عجزت عنه القوانين الوضعية، وهي مع ثباتها تتميز بالمرونة، حيث تركت دائرة واسعة لاجتهاد من يملكون أداة الاجتهاد وأهليته، وذلك فيما يتعلق بالنصوص الظنية (التي تحتمل أكثر من تأويل) أو ما سكت عنه الشارع الحكيم رحمة بنا غير نسيان.
ويرد في سياق الاعتراض على أحكام الشريعة الإسلامية أنها أحكام قاسية لا تتناسب مع العصر الحديث، ويشار في هذا الصدد إلى الحدود بصفة خاصة، فمثل هذا القول لا يمكن أن يقال لشخص متمسك بدينه مقتنع به وحريص على تطبيقه، وهو يرى أنه يصلح لكل زمان ومكان.
لا شك أن العقوبات الحدية مغلظة، ويرجع ذلك إلى كون الشارع الحكيم ينظر إليها على أنها جرائم شنيعة تتطلب عقوبات رادعة، وقد عرفت القوانين الوضعية أحكاماً مشددة على جرائم مثل الخيانة العظمي التي تصل عقوبتها إلى حد الإعدام، علماً بأن إثبات جرائم الحدود ليس أمراً سهلاً، وهي تدرأ بالشبهات كما يعلم الجميع. وأود في هذا الصدد أن أشير إلى عبارة أعجبتني وردت في مقال حديث للمستشار الطيب شيقوق في صحيفة 5Ws-news الإلكترونية تعليقاً على فضيحة جيفري ابتسين التي هزت العالم الغربي ووصل رذاذها إلى معظم دول العالم، حيث ورد التعبير التالي: “الحدود في الإسلام ليست قيوداً تعيق الحرية، بل سياج أمان يحمي الإنسان من الانحدار إلى الهاوية، لأن من يترك بلا حدود يتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء”.
تجدر الإشارة إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تنحصر فقط في معاقبة الجرائم التي يرتكبها الأفراد، وإنما تشمل كذلك النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، ومنها ما يتعلق بالجوانب الأخلاقية، والأحكام المنظمة لقواعد التعامل من بيع وشراء وإيجار، وغيرها، ومع ذلك ترك النقاد كل هذه الجوانب وصبوا جام غضبهم على الحدود.
اما إدعاء أن إبعاد الدين عن السياسة يحقق قدسية الدين فليس له سند ديني، بل على العكس، قدسية الدين من وجهة نظري تتحقق من خلال تحكيمه في كل شؤون حياتنا.
نأتي إلى شبهة انتهاك حقوق الأقليات وتهديد الوحدة الوطنية، وهي شبهة خطيرة تستحق التركيز عليها والاهتمام بها وإيجاد الحلول المناسبة لها، بغرض إرساء العدل من ناحية وسد الثغرات في وجه الذي يبحثون عن مبررات لإثارة الفتن والقلاقل.
القوانين في النظم الديمقراطية تصدر إما بناءً على استفتاء عام، خاصة فيما يتعلق بالدستور، أو من خلال تشريع يجيزه البرلمان، وفي الحالتين يكون للاغلبية الشعبية القول الفصل سواء من خلال الاستفتاء المباشر أو من خلال ممثلي الأغلبية في البرلمان، وعلى الجميع الامتثال. وفي جميع دول العالم تخضع الأقلية للنظام الساري في البلد حتى لو تعارض مع مبادئها، بما في ذلك الدول الغربية التي تدعي تطبيق مبادئ الحرية والعدالة.
لا أدعو إلى إجبار غير المسلمين على الخضوع للأحكام ذات الطابع الديني رغم أنفهم، لأن هذا يتعارض مع الإسلام نفسه (لا إكراه في الدين)، وبالتالي ينبغي سن قوانين خاصة بهم لمعالجة هذه الجزئية، كما يجب السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بحرية، ومراعاة حقوقهم السياسية دون تمييز، وهذا يتطلب فتح باب الاجتهاد لإيجاد حلول مناسبة.
الخلاصة:
اتفق مع د. العبيد بأن التطبيق السيء الذي صاحب صدور القوانين المنسوبة إلى الشريعة الإسلامية، خاصة في بداية تطبيقها وإنشاء ما يعرف بمحاكم العدالة الناجزة عند بدء تطبيق تلك القوانين، ثم ما عرف بمحاكم لنظام العام أساءت لهذه القوانين، لكن الحل لا يكمن في استبعادها وإنما في مراجعتها وتحسين كيفية تطبيقها بما يحقق العدالة للجميع.
وفي الختام أدعو إلى مراجعة ما عرف بقوانين سبتمبر وتنقيحها من قبل مختصين في الفقه الإسلامي والقانون بما يحمي حقوق الجميع ويحافظ على وحدة البلد، ولا يتعارض مع الأحكام القطعية للشريعة الإسلامية.
د. عبدالله أحمد عبداللّه
إرسال تعليق