الأحزاب و التناقض بين المرجعية و الخطاب

  • بتاريخ : 14 مايو، 2026 - 3:17 م
  • الزيارات : 7
  •  

    بقلم / زين العابدين صالح عبد الرحمن

    أهم ركن لإشكالية العملية السياسية في السودان، هو التناقض الواقع بين المرجعية الفكرية و الخطاب الساسي المرسل من قبل المؤسسة الحزبية، و أغلبية الأحزاب السياسية تحاول أن تغطي على هذا التناقض من خلال ضخ مجموعة من الشعارات، و لكنها لا ترغب في حل هذا التناقض من خلال عمل مراجعة للمرجعية الفكرية حتى تستطيع أن تفك هذا التناقض الحادث بينهما.. و التناقض: أيضا يعطل الأدوات التي تستخدم في العملية السياسية، لآن الأدوات لابد أن تتلاءم مع المشروع الذي يراد انجازه في المجتمع..

    مثالا لذلك: إذا فحصنا خطاب حزب البعث العربي الاشتراكي، نجد هناك قصورا كبيرا في مفهوم الديمقراطية، هي تطلق كشعار وقتي، لكن ليس لها أية سند في مرجعية حزب البعث العربي الأشتراكي و أيضا الناصرية الذي يؤسس على شعار “وحدة حرية اشتراكية” و محاولة الربط بينهم بالجدل.. و لم يعرفوا الجدل الذي يريدونه أن يربط بين ثلاثية الشعار، هل هو الجدل الماركسي أم جدل أخر.. و الحرية التي يقصدها البعثيون و الناصريون ليست هي الديمقراطية. و بالتالي تصبح قضية الديمقراطية غير معرفة في التنظيمين، لذلك يجنحوا عند الحاجة إلي الشعار فقط، و دون سند فكري يدعم الشعار حتى يضبط الخطاب مع المرجعية..

    مثال أخر: في الحزب الشيوعي أيضا هناك هوة كبيرة بين المرجعية الفكرية و بين شعارات الديمقراطية التي يرفعها الحزب.. و هي تخلق وعي زائف في المجتمع.. معلوم أن مرجعية الحزب الشيوعي هي الماركسية، و تعتمد على الجدل في تحليل الأحداث و الصراع في المجتمع، الجدل له ثلاثة قوانين… هي قانون الصراع الأضداد الذي يعتبر محرك لعملية التطور و يعتبر هناك متناقضات داخلية مرابطة و بينها صراع.. و قانون نفي النفي و يحدث من خلال أيضا الصراع الذي منه يتولد الجديد.. و قانون الكميلة التي تنتج النوع.. هذا يحدد شكل الصراع و التطور، و قد حدد ادواته في المجتمع بالثورة التي يجب ان تقوم بها البوليتاريا لكي تستولى على وسائل الانتاج.. فالشيوعيون لتحقيق مشروعهم يعتمد على الثورة في تحقيق مقاصده.. و هي تتناقض تماما مع الديمقراطية التي تؤسس أدواتها على الحوار و احترام القوانين و حرية عمل رأس المال..

    الملاحظة المهمة أيضا: نجد أن اليسار هو الأكثر تأثيرا في الخطاب السياسي المتداول، و القوى الجديد لا تفحص هذه المصطلحات، و لكنها تأخذها باعتبارها تجعلها مصنفة بأنها قوى ” تقدمية” و الذين لا يقبلونها هم ” قوى رجعية” لذلك أصبح الخطاب السياسي و الشعارات لا تخلق وعيا يؤسس لثقافة تتلاءم مع الشعارات المرفوعة بل تخلق تناقضا.. فالنظم الشمولية استطاعت عبر التراكم في العمل السياسي أن تخلق ثقافة مضادة للديمقراطية.. فالشارع السياسي حتى الآن لم يستطيع أن يستوعب أن أدوات الديمقراطية هي الحوار و التفاوض لحل الأزمات السياسية.. لكنهم يرتحاون نفسيا، إذا أطلق عليهم بأنهم ثوريون، و لا اعرف ما هي العلاقة بين الثورية و الديمقراطية؟.. فالذي يريد أن يكون ثوريا و ديمقراطيا لابد عليه أن يقدم رؤيته الفلسفية في الربط بين الأثنين.. فالحزب الشيوعي يستخدم الثوري و الثورية، لآن الوصول إلي المجتمع الشيوعي الذي يسعى إليه، يتأتي عبر ثورة البروليتاريا التي تصل إلي الاشتراكية ثم المجتمع الشيوعي.. فالثورية و الثورة هي أدوات الماركسية، و لذلك الحزب الشيوعي يعتمدها في خطابه السياسي و في شعاراته.. أما البعثيين لا يملكون مرجعية فكرية مؤسسة على قوانين و حتى الجدل غير معرف عندهم..

    أن تقليص مساحة الحرية في النظم الشمولية، و محاربة الأحزاب السياسية تعد سببا في محاصرة الفكر و الإنتاج الفكري الداعم للثقافة الديمقراطية.. الأمر الذي أدى إلي تراجع في الثقافة الديمقراطية.. و أيضا نجد أن الأحزاب التي تؤمن بعملية التحول الديمقراطي، نجد إن أرضيتها السياسية جدباء و فقيرة في الإنتاج الفكري و الثقافي و بعض قياداتهم ترسل عبر خطابها السياسي متناقضات، و الغريب أن هذه القيادات أيضا تستخدم شعارات مع أدوات الثورية.. هؤلاء يعتقدون إن شعار الثورية سوف يقربهم إلي الشارع أكثر، لذلك يستلفون أدوات اليسار و شعاراته..

    أن الأحزاب السودانية الموجود الآن في الساحة، و لا تستطيع أن تنتج ثقافة ديمقراطية، تقدم من خلالها رؤية النظام السياسي الذي تريده، و العجز ناتج عن الفقر السياسي للثقافة الديمقراطية. لذلك تجد الأغلبية يعتمدوا على الشعارات لأنها.. و هذا الفقر هو الذي يمنع العديد في عدم الخوض في عملية المراجعات الفكرية.. و حتى القوى التي خرجت من اليسار، و أعلنت أن سبب خروجها كان لإيمانها بالديمقراطية، هؤلاء أيضا لم يستطيعوا التخلص من ثقافتهم السابقة. و لم يستطيعوا أن يتبنوا الثقافة الجديدة أصبحوا الأكثر ضياعا.. الأمر الذي جعل الشعار الديمقراطية معلق في الهواء لا يستد على أية أرضيات تعزز وجوده في المجتمع.. نواصل .. نسأل الله حسن البصيرة..