العيكورة… حين يُهزم الروتين ويَنتصر الوطن

  • بتاريخ : 25 أبريل، 2026 - 7:14 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم د.سعاد فقيري

    ليس من الحكمة أن نوزّع المناصب كما نوزّع عبارات الشكر، لكن من الظلم أيضاً أن نتجاهل الدروس الكبيرة حين تأتي في ثوب موقفٍ بسيط.
    وما بين سطور مقال الأستاذ/ صبري محمد علي (العيكورة) لم يكن الحديث عن امتحانٍ ابتدائي فحسب، بل عن اختبارٍ حقيقي لقدرة الدولة – أو من يمثلونها – على الانحياز للإنسان قبل اللوائح.
    نعم…
    ما حدث بين جمعة (١٧) أبريل وجمعة (٢٤) أبريل ليس حدثاً عابراً، بل نموذج مكثّف لما ينبغي أن تكون عليه الإدارة في زمن الأزمات:
    سرعة قرار، مرونة في الإجراءات، وتقديم مصلحة الناس على تعقيدات المكاتبات.
    العيكورة:
    لم يكتب مجرد سردٍ لواقعة، بل وثّق لحظة انتصار نادرة على ذلك “الوحش البيروقراطي” الذي طالما ابتلع أحلام السودانيين.
    لحظة أثبتت أن الدولة – حين تريد – تستطيع أن تختصر المسافات، وأن تُنجز في ساعات ما تعجز عنه في شهور.
    لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا:
    هل نحتاج دائماً إلى “حالة طوارئ” حتى نُنجز؟
    وهل يُعقل أن يكون الاستثناء هو القاعدة الوحيدة التي تُعيد الحقوق لأصحابها؟
    ما قام به السفير دفع الله الحاج علي، ومعه القنصل كمال علي عثمان، ووزارة التربية بولاية الجزيرة، ليس بطولة خارقة… بل هو ببساطة أداءٌ طبيعي كان يجب أن يكون هو الأصل لا الاستثناء.
    ومع ذلك، فإن الاعتراف بالفضل واجب، لأن في زمن الانهيار تصبح “الطبيعية” نفسها إنجازاً.
    أما العيكورة، فقد أدّى دوراً لا يقل أهمية عن صُنّاع القرار…
    دور الصوت الذي يُقلق، يضغط، ويُذكّر بأن خلف الأرقام وجوهاً وأحلاماً وأمهاتٍ ينتظرن.
    وهنا نصل إلى السؤال الذي طرحته بذكاء:
    “ألا من حقه أن يكون وزيراً؟”
    الإجابة ليست بنعم أو لا…
    فالوزارة ليست تكريماً، بل مسؤولية ثقيلة قد تُقيّد صاحب الصوت الحر أكثر مما تُطلقه.
    لكن الأهم من ذلك:
    نحن لا نحتاج أن يتحول كل صاحب موقف إلى وزير، بقدر ما نحتاج أن تتحول روح العيكورة إلى “منهج دولة”.
    نحتاج مسؤولين يتصرفون كما تصرف هؤلاء في هذه الواقعة…
    ونحتاج إعلاميين وكتاباً يملكون شجاعة الإزعاج حين يصمت الآخرون.
    القضية ليست من يجلس على الكرسي،
    بل كيف يُدار الكرسي.
    فإن كان في الدولة عشرات بعقلية العيكورة وجرأته،
    ومئات بمهنية أولئك الذين كسروا الروتين،
    فلن نسأل حينها: من يكون وزيراً؟
    لأن الوطن كله سيكون في مقام المسؤولية.
    تحية للعيكورة…
    وتحية لمن أثبتوا أن السودان، رغم جراحه، ما زال قادراً أن يقول:
    “نقدر… إذا أردنا.”