بقلم/ م.م الإمام عبد اللطيف الإمام
“وزير التخطيط العمراني السابق”
الأستاذ أحمد يوسف التاي
تحية طيبة وبعد،
اطلعتُ على مقالكم بعنوان
”نبض الوطن – صناعة الوعي والرأي العام –
في رأيي هو ليس مجرد مقال عابر، بل هو تشخيص دقيق لواحدة من أخطر معارك العصر: معركة الوعي. فالأمم لا تُهزم فقط حين تُكسر جيوشها، بل حين يُصادر وعيها ويُعاد تشكيله وفق ما تريده السلطة أو ما تفرضه أدوات التضليل الحديثة.
*لقد أصبت اخي كبد الحقيقة إلى أن صناعة الوعي والرأي العام المستنير هي أعقد وأثقل المسؤوليات، لأنها ببساطة تتعامل مع “العقل” لا “الحدث”، ومع “المستقبل” لا “اللحظة”. فالرأي العام المستنير لا يُصنع بالصدفة، ولا يتشكل عبر الإنفعال المؤقت، بل هو نتاج تراكمي لبيئة تعليمية سليمة، وإعلام حر مسؤول، ومساحة آمنة للتفكير والنقاش.*
*إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس غياب المعلومات، بل فيضانها المشوَّه، حيث تختلط الحقيقة بالدعاية، ويُعاد إنتاج الجهل في ثوب حديث. وهنا يتجلى الفرق الجوهري الذي أشار إليه المقال بين “*الرأي العام الأمعة” و“الرأي العام الواعي”. الأول يُقاد، والثاني يقود. الأول يُستدعى للهتاف، والثاني يُستشار في القرار. الأول يُخدَّر بالعاطفة، والثاني يُبنى على الفهم.*
*وفي هذا السياق، فإن ربطكم بين التعليم والإعلام كرافعتين أساسيتين لصناعة الوعي هو ربط في غاية الأهمية. *فالتعليم الذي لا يُنتج عقلًا ناقدًا هو تعليم ناقص، والإعلام الذي لا يقول الحقيقة كاملة هو إعلام شريك في التضليل، مهما تجمّل بشعارات المهنية. لذلك، فإن أي مشروع نهضوي حقيقي لا بد أن يبدأ من إصلاح هذين القطاعين، لأنهما يشكلان البنية التحتية للعقل الجمعي.*
*أما في البيئات التي يسود فيها الاستبداد، فإن المعركة تصبح أكثر تعقيدًا، إذ تتحول الكلمة الحرة إلى مخاطرة، والرأي المستقل إلى تهمة. وهنا تتعاظم قيمة الأقلام التي تكتب بصدق وشجاعة، لأنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم في تغييره. *فالكلمة الواعية ليست مجرد تعبير، بل فعل مقاومة في وجه التزييف.*
*ولعل من أهم ما ورد في المقال ذلك الاحتفاء الصادق بالأقلام غير التقليدية التي دخلت ميدان الكتابة وأسهمت في إثراء الساحة الفكرية. هذه الظاهرة تؤكد أن الوعي لا يحتكره المتخصصون، بل هو طاقة كامنة في كل من يملك المعرفة والصدق والقدرة على التعبير. بل ربما يكون تنوع الخلفيات المهنية هو ما يمنح هذا الوعي عمقًا واتساعًا، لأنه يعكس تجارب متعددة وزوايا نظر مختلفة.*
*غير أن الطريق إلى صناعة رأي عام مستنير لا يزال محفوفًا بالتحديات، خاصة في مجتمعات تعاني من الاستقطاب، وضعف الثقة، وهيمنة الخطاب العاطفي. لذلك، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق النخب وحدها، بل تمتد إلى كل فرد في المجتمع. فكل كلمة تُكتب، وكل فكرة تُطرح، وكل موقف يُتخذ، إما أن يسهم في بناء الوعي أو في هدمه.*
*ختامًا، يمكن القول إن معركة الوعي هي معركة طويلة النفس، لكنها حاسمة. فمن يملك الوعي، يملك القدرة على تحديد مصيره. ومن يُصادر وعيه، يظل تابعًا، مهما أمتلك من موارد. ولذلك، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في عقل إنسانها… لأنه وحده القادر على أن يصنع الفرق بين وطن يُقاد، ووطن يقود.*











إرسال تعليق