وهم الملكية الوطنية في مؤتمر برلين حول السودان: عندما تُدار السيادة من الخارج

  • بتاريخ : 17 أبريل، 2026 - 7:13 ص
  • الزيارات : 6
  • *حوارات حول الأفكار(116)*
    بقلم / د. حيدرمعتصم مدني
    “مدير مركز الخ طوم للحوار”

    “في برلين، حيث تُصاغ الحلول للسودان، يُطلب من السودانيين أن يؤمنوا بأنهم هم من يقودونها.هكذا يتجسد ‘وهم الملكية الوطنية’ في أوضح صوره: لغة سيادية تُخفي بنية إدارة خارجية مكتملة.”
    ليست المشكلة في مؤتمر برلين حول السودان أنه يتحدث عن “عملية سياسية بقيادة سودانية”، فهذه اللغة أصبحت جزءاً من القاموس الدبلوماسي العالمي.المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة العميقة بين اللغة المستخدمة والبنية الفعلية التي تُدار بها العملية السياسية.حين تُفحص الوقائع لا الشعارات، يتكشف تناقض يصعب تجاهله:
    كيف يمكن لعملية أن تكون “وطنية” بينما تُصاغ أجندتها خارج الوطن؟
    كيف يمكن أن تكون “شاملة” بينما تُحدد معايير المشاركة فيها عبر بوابات غير وطنية؟
    وكيف يمكن أن تُنسب “الملكية” لشعب، بينما أدوات القرار والضغط والتمويل ليست في يده؟
    *إعادة تعريف المفهوم: من* *السيادة إلى الإدارة*
    “الملكية الوطنية” في أصلها مفهوم سيادي، يعني أن:

    الشعب هو مصدر الشرعية

    المؤسسات الوطنية هي إطار القرار

    والتوازنات الداخلية هي التي تُحدد المسار
    لكن ما يحدث في الحالة السودانية هو شيء مختلف تماماً.
    لقد جرى إعادة تعريف المفهوم عملياً ليصبح:

    “مشاركة محلية داخل إطار دولي مُتحكم فيه”
    أي أن “الملكية” لم تعد تعني السيطرة، بل مجرد حضور رمزي داخل عملية مُدارة من الخارج.
    وهنا يتحول المفهوم من أداة تحرر، إلى أداة إضفاء شرعية على إدارة خارجية.

    *آليات السيطرة الناعمة :*
    السيطرة في الحالة السودانية لا تأتي دائماً في شكل أوامر مباشرة، بل عبر منظومة متكاملة من الأدوات:

    التمويل: من يدفع، يحدد السقف

    الاعتراف الدولي: من يُعترف به، يصبح فاعلاً

    تحديد المشاركين: من يُدعى، ومن يُستبعد

    إنتاج الخطاب: عبر خبراء ومراكز أبحاث تعيد صياغة الأولويات
    هذه الأدوات لا تلغي الفاعل المحلي، لكنها تعيد تشكيله ليعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً.
    *النخب بين العجز والارتهان*

    لا يمكن فهم هذا المشهد دون التوقف عند دور النخب السياسية السودانية.جزء معتبر من هذه النخب:

    فقد القدرة على بناء قاعدة اجتماعية حقيقية

    وعجز عن إنتاج مشروع وطني جامع

    فاتجه إلى الخارج بحثاً عن الشرعية والدعم
    وهنا نشأت معادلة خطيرة:

    شرعية خارجية مقابل تمثيل داخلي هش
    في هذه المعادلة، لم يعد السياسي محتاجاً لكسب المجتمع بقدر حاجته لكسب القبول الدولي.
    *هل المشكلة في الخارج* *فقط؟*
    رغم وجاهة النقد الموجه للتدخل الخارجي، إلا أن اختزال الأزمة فيه وحده يُخفي جزءاً مهماً من الحقيقة.التدخل الخارجي لا يعمل في الفراغ… بل يجد بيئة مناسبة حين:

    تغيب الدولة كمؤسسة

    يتشظى المجتمع سياسياً

    تتنازع القوى المحلية دون أفق جامع
    *بمعنى أدق:*
    الخارج لم يصنع الأزمة السودانية… لكنه أعاد تشكيلها وفق مصالحه من “إدارة الأزمة” إلى تعطيل الحل
    المفارقة أن هذه المقاربة الدولية، رغم كثافة تدخلها، لم تُنتج حلاً حقيقيا، بل أسهمت في إطالة أمد الأزمة عبر:

    إنتاج عمليات سياسية بلا جذور اجتماعية

    إعادة تدوير نفس النخب

    تأجيل الأسئلة الجوهرية حول الدولة والتمثيل والهوية
    وهكذا تتحول العملية السياسية من وسيلة للحل، إلى آلية لإدارة الأزمة واستدامتها.
    السؤال الذي يتم تجاهله
    وسط كل هذه التعقيدات، يظل السؤال الحقيقي غائباً:
    من يمثل الشعب السوداني فعلاً؟
    ليس من تعترف به العواصم…
    بل من يستمد شرعيته من المجتمع نفسه.
    هذا السؤال، إذا لم يُطرح بجدية، سيظل كل حديث عن “الملكية الوطنية” مجرد غطاء لغوي لواقع مختلف تماماً.

    *نحو استعادة المعنى* *الحقيقي*

    استعادة “الملكية الوطنية” لا تكون برفض الخارج فقط، بل عبر:

    إعادة بناء مفهوم التمثيل على أسس مجتمعية حقيقية

    إنتاج قيادة نابعة من الداخل لا مُعتمدة على الخارج

    تعريف المصالح الوطنية بشكل مستقل

    بناء مؤسسات قادرة على حمل القرار
    حينها فقط، يمكن أن يصبح أي دعم خارجي مسانداً لا بديلاً.

    *خلاصة :*
    ما يُطرح اليوم في سياق مؤتمر برلين حول السودان ليس “ملكية وطنية” بالمعنى الحقيقي،بل نموذج هجين تُستخدم فيه اللغة السيادية لتغطية واقع إداري خارجي.

    وبينما يستمر هذا الوهم، تظل الأزمة السودانية عالقة…
    لا لأنها معقدة فقط،بل لأن تعريفها نفسه لم يترك للسودانيين ليحسموه.