محافظ بنك السودان السابق يكتب: دفاع عن رؤية الطيب شيقوق ونقد ذاتي لحدود المقاربة الجزئية في طرحي (دعوة للنقاش)

  • بتاريخ : 3 أبريل، 2026 - 2:55 م
  • الزيارات : 264
  • بقلم /بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان السابق”

    إعادة الاعتبار للدولة المؤسسية: دفاع عن رؤية الطيب شيقوق ونقد ذاتي لحدود المقاربة الجزئية في طرحي (دعوة للنقاش).

    تعد رؤية المستشار الطيب شيقوق طرحا متقدما وعميقا لإعادة بناء الدولة، إذ تنطلق، كما يراها، من أساس جوهري يتمثل في بناء دولة مؤسسية قائمة على حفظ المعرفة وتوارثها، واستمرارية السياسات، وتحصين الجهاز الحكومي من التقلبات السياسية. هذه الرؤية لا تكتفي بمعالجة الأعراض، بل تتجه مباشرة إلى الجذور البنيوية التي خلقت الازمة، عبر “تأسيس دولة قانون مستقرة تتجاوز فيها الإصلاحات عمر الحكومات، وتدار فيها المؤسسات بعقل جمعي متراكم لا بقرارات فردية ظرفية”. وبهذا المعنى، فهي رؤية استراتيجية شاملة تضع الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة مستقبلية.

    في المقابل، فإن رؤيتي القائمة على نحقيق ثلاثية الحوكمة والتنمية المستدامة وحسن الإدارة، رغم أهميتها، تظل مقاربة جزئية إذا ما قورنت بعمق وشمول رؤية المستشار شيقوق. فهي تركز بدرجة أكبر على تحسين الأداء داخل الإطار القائم، دون أن تعالج بما يكفي مسألة بناء الإطار المؤسسي ذاته الذي يفترض أن يحتضن هذه الثلاثية ويضمن استدامتها. بمعنى آخر، تفترض رؤيتي ضمنا وجود دولة مؤسسية قادرة على تطبيق الحوكمة وتنفيذ خطط التنمية وإدارة الموارد بكفاءة، وهو افتراض لا يتوافر في الواقع الحالي بالشكل الكافي. كما أن التركيز على أدوات مثل الحوكمة أو الإدارة الكفؤة، رغم أهميتها، قد يظل محدود الأثر في غياب نظام مؤسسي يحفظ المعرفة، ويمنع انقطاع السياسات، ويؤسس لاستمرارية الدولة. فالإدارة الكفؤة لا يمكن أن تزدهر في بيئة غير مستقرة، والسياسات، وان كانت حكيمة، لا تعمل في ظل بيئة غير مواتية والحوكمة تفقد فعاليتها دون مؤسسات راسخة تطبقها، والتنمية المستدامة تصبح هدفا نظريا لا عمليا إذا لم تدعم ببنية دولة قادرة على الاستمرار والتراكم وعلي مرجعيه راسخه. من هنا، يتضح أن قصور رؤيتي لا يكمن في مضمونها، بل في ترتيب أولوياتها؛ إذ تبدأ من مستوى السياسات والأدوات، بينما تبدأ رؤية المستشار شيقوق من مستوى الدولة ذاتها كإطار حاكم لكل تلك الأدوات. ولذلك، فانني أعترف أن تبني رؤيتي بمعزل عن رؤية المستشار شيقوق أولا قد يؤدي إلى إصلاحات جزئية أو قصيرة الأجل وغير فعالة وغير شاملة في ظل بيئة غير مواتية، في حين أن الانطلاق من رؤية المستشار شيقوق يتيح تأسيس قاعدة صلبة يمكن أن تعمل ضمنها ثلاثية الحوكمة والتنمية والإدارة بفعالية واستدامة.

    خلاصة القول، إن رؤية الطيب شيقوق تمثل المدخل التأسيسي لبناء الدولة في كل مناحيها، بينما تمثل رؤيتي آليات تحسين الأداء داخل هذه الدولة التي يطمح فيها بعد تأسيسها. وعليه، فإن المسار الأمثل يتمثل في تقديم رؤية شيقوق كأولوية استراتيجية، على أن تدمج ثلاثية الحوكمة والتنمية المستدامة وحسن الإدارة لاحقًا كأدوات تنفيذية تعزز من كفاءة الدولة وتترجم رؤيتها إلى نتائج ملموسة.

    أخيرا، وفي ظل التحديات العميقة التي يواجهها السودان، فان تبني رؤى استراتيجية طويلة الأمد تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط تمشيا مع طرح المستشار الطيب شيقوق للنموذج المتكامل لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية مستدامة يتطلب إطارا زمنيا واقعيا للتنفيذ. تنفيذ هذه الرؤية، بعد الايمان بها، لا يمكن أن يتم في فترة قصيرة، لأنها تمثل مشروعا تأسيسيا عميقا لإعادة بناء الدولة وليس مجرد برنامج إصلاحي محدود؛ وتبدأ بوضع الأطر القانونية والمؤسسية وإطلاق الإصلاحات الأولية وبناء نظم حفظ المعرفة، وفي المدى المتوسط تعمل على ترسيخ الاستقرار المؤسسي وتحسين كفاءة الجهاز الحكومي وظهور نتائج ملموسة وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين، بينما في المدى الطويل الذي يمتد لأكثر من 10 سنوات يكتمل بناء الدولة المؤسسية وتستدام السياسات ويتحقق الأثر التنموي الواضح. خلاثة القول، أن التنفيذ الكامل للرؤية يتطلب مدى زمني طويل شريطة توفر الإرادة السياسية والاستقرار واستمرارية السياسات، مع الإشارة إلى أن مؤشرات التحسن تبدأ في الظهور تدريجيا منذ السنوات الأولى، رغم أن التحول العميق يحتاج إلى نفس طويل والتزام مؤسسي مستمر.

    بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.