المستشار الطيب شيقوق يعقب على مقال مولانا حسين الفكي “فلتبكي البواكي على فراق سيادة حكم القانون»

  • بتاريخ : 13 فبراير، 2026 - 8:47 ص
  • الزيارات : 57
  • بقلم: الطيب شيقوق، المحامي و المستشار القانوني

    جاء مقال مولانا العالم، حسين الفكي قاضي المحكمة العليا سابقا، في صيغةٍ وجدانية رثائية لسيادة حكم القانون، وهي صيغة تعبّر عن إدراكٍ صادق لعمق الأزمة التي تعصف ببنية الدولة ومؤسساتها. غير أن المقاربة القانونية الرصينة تقتضي الانتقال من مقام التأبين إلى مقام التأصيل؛ إذ إن سيادة حكم القانون ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل هي بناءٌ دستوري يقوم على أركان محددة، إذا اختلّ أحدها اختلّ الكيان برمّته.

    أولًا: الشرعية ومفهوم العقد الاجتماعي
    قرر الفيلسوف جان جاك روسو في مؤلفه العقد الاجتماعي أن السيادة ملكٌ للشعب وحده، وأن كل سلطة سياسية لا تستمد مشروعيتها من الإرادة العامة إنما هي سلطة مغتصبة، ولو استندت إلى نصوص شكلية.
    ومقتضى هذا التصور أن القانون، حتى يكون ملزمًا أخلاقيًا ودستوريًا، يجب أن يكون تعبيرًا عن الإرادة العامة، لا عن إرادة فئةٍ حاكمة أو سلطة متغلبة. فإذا انفصل التشريع عن الإرادة العامة، تحوّل إلى أداة تنظيمٍ قسري لا إلى تجسيدٍ للعدالة، وسقط بذلك أحد أعمدة الشرعية الدستورية.
    ومن ثم فإن سيادة حكم القانون لا تعني مجرد سريان النصوص، بل تعني خضوع السلطة ذاتها للنظام القانوني الذي أنشأته الإرادة الشعبية، في إطار عقدٍ اجتماعي يحدد حدود السلطة وغاياتها.
    ثانيًا: تقييد السلطة ومبدأ الفصل والتوازن
    غير أن إسناد السيادة إلى الشعب لا يكفي بذاته لضمان الحرية وصون الحقوق، ما لم تُصمم بنية السلطة على نحوٍ يمنع تغوّلها. وهنا تتجلّى عبقرية الفقيه الدستوري مونتسكيو في كتابه روح القوانين، حيث قرر أن:
    “كل إنسان يملك سلطة يميل بطبعه إلى إساءة استعمالها، ولا يقف عند حد إلا إذا وجد من يحدّه.”
    وهذه المقولة ليست حكمًا أخلاقيًا على الأشخاص، بل توصيفٌ بنيوي لطبيعة السلطة ذاتها. لذلك أسّس مونتسكيو لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي تطور في الفقه الدستوري الحديث إلى نظام الرقابة والتوازن (Check and Balance)، بما يعنيه من تداخلٍ منضبط يحقق المنع المتبادل للتغوّل.
    فليست العبرة بمجرد التمييز الشكلي بين سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية، وإنما بإقامة آليات دستورية فعالة تضمن:
    خضوع السلطة التنفيذية لرقابة برلمانية حقيقية.
    إخضاع التشريع لرقابة دستورية قضائية مستقلة.
    تحصين القضاء من التأثير السياسي ماليًا وإداريًا ووظيفيًا.
    انتفاء الحصانات المطلقة التي تعطل المساءلة.
    فإذا تعطلت هذه الآليات، عادت السلطة إلى التركز في يد جهةٍ واحدة، ولو تعددت العناوين، وانقلب مبدأ سيادة حكم القانون إلى غطاءٍ صوري يكرّس تغوّل السلطة تحت مظلة المشروعية الشكلية.

    ثالثًا: بين الإرادة العامة والهندسة الدستورية
    إن الجمع بين نظرية العقد الاجتماعي عند روسو ونظرية الفصل والتوازن عند مونتسكيو يفضي إلى نتيجة حاسمة:
    الشرعية تُستمد من الإرادة العامة، لكن الحرية لا تُصان إلا بتقييد السلطة عبر مؤسساتٍ متوازنة.
    وعليه، فإن فقدان سيادة حكم القانون لا يُختزل في ضعف تطبيق النصوص، بل هو خللٌ في البنية الدستورية ذاتها؛ خللٌ يمسّ مصدر الشرعية من جهة، وآليات ممارستها من جهةٍ أخرى.
    فحيث لا يكون الشعب مصدرًا حقيقيًا للسلطات، يختل العقد الاجتماعي.
    وحيث لا توجد رقابة متبادلة فعالة بين السلطات، يختلّ ميزان الحرية.
    رابعًا: من المراثي إلى إعادة التأسيس
    إن استعادة سيادة حكم القانون في السياق السوداني – أو في أي دولة تعاني من هشاشة مؤسساتها – تقتضي مشروعًا تأسيسيًا لا إصلاحًا تجميليًا، قوامه:
    إقرار صريح وفعلي بأن الشعب مصدر السلطات جميعًا.
    وضع دستور يحدد الاختصاصات تحديدًا دقيقًا مانعًا للتداخل المخلّ.
    إرساء نظام رقابة وتوازن حقيقي بين السلطات، لا مجرد فصلٍ شكلي.
    تكريس استقلال القضاء بوصفه الضامن الأخير للحقوق والحريات.
    فالدولة التي لا تقبل أن تُقيَّد سلطتها بالقانون، إنما تُفرغ القانون من مضمونه. والدولة التي تُعلي إرادة الأشخاص على إرادة النص، إنما تنقض عقدها الاجتماعي وتعرّض مشروعيتها للاهتزاز.
    وعليه، فإن البكاء على فراق سيادة حكم القانون – وإن كان مفهومًا في سياق الألم – لا يغني عن إعادة بنائه على أسسٍ دستورية راسخة: إرادة عامة حقيقية، وسلطات متوازنة، وقضاء مستقل، ومساءلة لا تعرف استثناءً.
    فحكم القانون لا يُستعاد بالعاطفة، بل يُؤسَّس بالعقل الدستوري، ويُحمى بإرادةٍ سياسية تقبل التقييد قبل أن تمارس السلطة.